عهد من الاستنارة لم يطل
2022.11.14
مروان حبش- فينكس
عالَمٌ كان الناس فيه يفكرون في كل شيء، ولا يخشون أن يصيبهم أذى بسبب هذا التفكير، ولا تقيد عقولهم نصوص الكتب المقدسة، هذا ما كان عليه الحال أيام الإغريق وفلاسفة أثينا.
افتتن بعض علماء المسلمين بالمنطق اليوناني في صورته الواضحة التي جاء بها كتاب "أورغانون" أي "الآلة الفكرية" لأرسطو، ووجدوا فيه الآليات التي يحتاجونها لتفكيرهم.
لقد بدأ عهد الاستنارة الإسلامية، مع نفي القدرية، والجدل الذي أثاره المعتزلة بحضٍ من واصل بن عطاء بالحرية والاختيار صوناً لعدل الله، وطرحوا موضوع خلق القرآن الذي ينكرون فيه قدمه - ومع احترامهم للقرآن، وبعكس عقيدة أهل السنة القائلة بأن القرآن موجود على الدوام في عقل الله- كانوا يقولون إنه إذا تعارضت آياته، أو ما ورد في الحديث مع العقل وجب ألا يفسر حرفياً، بل مجازياً. وأطلقوا على هذه الجهود التي يحاولون بها التوفيق بين العقل والدين اسم علم الكلام، أي علم المنطق. ويرون أن ما كان يتفق مع أغراض البنى الأخلاقية والسياسية في أيام الرسالة، لا يمكن أن يقبله العقل المستنير في هذه الأيام. وأن العقل البشري عاجز كل العجز عن معرفة طبيعة الله وصفاته الحقة، وكل ما يستطيعه أن يقبل ما جاء به الدين من إثبات وجود قوة روحية عليا هي أساس الحقائق العامة وأن الخطورة الشديدة هي الإيمان بأن الأحداث مقدرة تقديراً من عند الله، وأن الله قد اختار منذ الأزل من سيثاب ومن سيعذب.
بدأ هذا الجدل أيام خلافة المنصور، والرشيد، والمأمون الذي افتتن بهذه النزعة العقلية الآخذة في القوة، وجعل من عقائد المعتزلة، مذهباً رسمياً للخلافة، وأصدر عام 832 أمراً يفرض على جميع المسلمين أن يعتقدوا بأن القرآن مخلوق في وقت بعينه، وأمر بأن لا يعين في القضاء ولا تقبل شهادة أحد، إلا من يعلن قبوله لهذه العقيدة الجديدة، كما صدرت تعليمات تحتم قبول عقيدة حرية الإرادة وتجريم وعقاب بالإعدام لمن يرفض هذه العقائد، وواصل المعتصم والواثق خلال خلافتهما، هذه الحملة الفكرية.
كان يعقوب بن اسحق الكندي"1" (805-873) مؤسس الفلسفة العربية الإسلامية، من أوائل فلاسفة المعتزلة ويرى ما يراه أفلاطون، من أنه ليس في وسع إنسان أن يكون فيلسوفاً من غير أن يكون قبل ذلك عالماً في الرياضيات، وحاول أن يبني علم الصحة، والطب، والموسيقى على نسب رياضية، كما بحث ظاهرة الضوء في كتابه "البصريات" الذي كان له أكبر الأثر في أبحاث "روجر بيكون" وكانت فلسفته، هي الأفلاطونية الجديدة مصبوغة بصبغة جديدة."2"
انتشر صيت الفارابي، (ولد في فاراب عام 870 وتوفي في دمشق عام 950م)، الذي كان في أمارة سيف الدولة الحمداني بحلب، وفي كتابه "إحصاء العلوم" لخص علوم عصره في الفلسفة، والمنطق، والرياضيات، والطبيعة، والكيمياء، والاقتصاد، والسياسة، وقال إن الهدف الذي لا يمكن بلوغه كاملاً، هو معرفة العلة الأولى. وفي كتابه "المدينة الفاضلة" يصف قانون الطبيعة الأولي بأنه كفاح دائم يقوم به كل كائن حي ضد سائر الكائنات، ويدعو الناس إلى إقامة مجتمع على قواعد العقل، والوفاء، والحب، وإلى إقامة ملكية على أساس العقيدة الدينية القوية.
وفي بغداد، أنشأ محمد بن طاهر السجستاني وهو أحد تلاميذه، عام 970 "الجمعية السجستانية"، هدفها بحث المسائل الفلسفية، والمنطق، وفلسفة المعرفة.
كما أنشئت في البصرة عام 983م، جمعية سرية من العلماء والفلاسفة، عرفت باسم "إخوان الصفا" غايتها تجديد الإسلام من النواحي الأخلاقية، والروحية، والسياسية واعتقدوا أن هذا التجديد إنما يقوم على مزيج من الفلسفة اليونانية، والمسيحية، والتصوف الإسلامي، وآراء الشيعة السياسية، والشريعة الإسلامية، وارتأت أن الوصول إلى الحقيقة عن طريق إجماع العقول أيسر إليها عن طريق التفكير الفردي. وأصدرت إحدى وخمسين رسالة جمعت شتات أبحاثها كلها، وضمنتها خلاصة العلوم الطبيعية، والدين، والفلسفة، أما ما فيها من العقائد الدينية فهو شديد الصلة بالأفلاطونية الجديدة، وارتأت أنه إذا ما تحرر العقل عن طريق المعرفة، وجب أن يشعر بحريته في أن يؤول آيات القرآن تأويلاً مجازياً. ولقد كان لهذه الرسائل أثرٌ عميق في الفلسفة الإسلامية، يبدو واضحاً عند الغزالي، وابن رشد، وعند الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري.. أما ابن سينا (980-1037) الذي تأثر بفلسفته إلى حد ما برسائل إخوان الصفا، وقرأ كتاب "ما بعد الطبيعة" لأرسطو أربعين مرة من غير أن يفهمه إلا بعد أن قرأ تعليق الفارابي عليه، وبقي متمسكاً بفلسفة أرسطو وبالاعتقاد معه بقدم العالم المادي، بزَّ ما في الرسائل من نزعة عقلية بسعة أفقه، وعمق تفكيره، فكان حجة في العلوم الطبيعية، ومرجعاً ذائع الصيت في الطب، وفي الفلسفة التي شرحها في كتابيه " الشفاء والنجاة"، والفلسفة في تعريفه "علم الوجود، بما هو موجود"، وكان ذا عقل منطقي، يؤكد على التعاريف والتحديدات الدقيقة، وكانت أبحاثه في الميتافيزيقيا تكاد تكون خلاصة لما وصل إليه مفكرو أوروبا بعد مائتي عام من أيامه، من توفيق بين المذاهب الفلسفية المختلفة في الفلسفة المدرسية"3" ، كما بذل جهداً للتوفيق بين الآراء الفلسفية وعقائد جمهرة المسلمين، وعالج كل المسائل مستنداً إلى العقل وحده، غير متقيد، مطلقاً، بالدين.
لقد استرشد ابن سينا في كتابيه "الشفاء والقانون" بارسطو والفارابي، وتضمنا أرقى ما وصل إليه التفكير الفلسفي في العصور الوسطى، ومن أعظم البحوث في تاريخ العقل الإنساني.
كان لابن سينا كبير الأثر فيمن جاء بعده من الفلاسفة والعلماء في بلاد المشرق والأندلس، وخاصة في فلسفة ابن رشد. وفي الفلسفة المدرسية في أوروبا.
وجد الفكر شيئاً من الحرية في بلاط بعض أمراء الأندلس، وعاشت الفلسفة وقتاً قصيراً بما كانت تبثه بحكمة وحذر من الآراء التي تتفق مع الدين.
كان ابن باجة (1080- 1138م)، وزيراً لأمير سرقسطة، قد بلغ مرتبة عليا في العلوم الطبيعية، والطب، والموسيقى، والشعر، وفي الفلسفة التي بناها على أسس الرياضيات والطبيعيات، وفصل بين الدين والفلسفة، وانصرف إلى العقل، ومن أشهر مؤلفاته كتاب "مرشد الحيران" الذي جدد فيه البحث في أحد الموضوعات الأساسية في الفلسفة الإسلامية، إذ قال إن العقل البشري يتكون من جزأين، العقل المادي الذي يتصل بالجسم ويموت بموته، والعقل الفعال الكوني غير البشري الذي يوجد في الناس كلهم، وهو وحده الذي لا يموت بموتهم، والتفكير هو أسمى وظائف الإنسان، وبالتفكير وحده، لا بالنشوة الصوفية، يصل الإنسان إلى معرفة العقل الفعال وهو الله. ولما سقطت سرقسطة، فرَّ إلى مدينة فاس في المغرب، حيث وجد نفسه بين مسلمين يتهمونه بالكفر، ومات مسموماً حسب بعض الروايات،
واصل العالم والشاعر والطبيب والفيلسوف ابن طفيل (1107-1185) أفكار ابن باجة، وكتب قصة "حي بن يقظان" التي تتضمن عناصر الثقل المعرفي الأساسية والممثلة في " الإله- الإنسان- الطبيعة". وحي بن يقظان هو ذلك الطفل الذي نما وترعرع في جزيرة خالية من السكان، وأرضعته غزالة، وتعلم لوحده وبالتأمل، كشف الحقيقة المطلقة من خلال عملية منهجية للتحليل المنطقي ووصل إلى أرقى أنواع المعرفة بعلم الأحياء، ثم الفلسفة، وعلوم الدين، وأثبت لنفسه وجود خالق قادر على كل شيء.
أما ابن رشد (1126- 1198) الذي دافع عن الفلسفة وصحح لعلماء وفلاسفة سابقين له كالفارابي وابن سينا فهم بعض نظريات أفلاطون وأرسطو، ولخص وشرح بإيجاز ثم مطولاً كل كتب أرسطو المترجمة للعربية عن السريانية، ولقدرته على التحليل الدقيق والعميق، أذاعت شهرته في أوروبا وأكسبته اسم الشارح الأعظم ورفعته إلى مقام عالٍ بين فلاسفة المسلمين.
وإضافة إلى تلك الشروح، ألف كتباً في المنطق والطبيعة وعلم النفس، وما بعد الطبيعة، وفي الفقه، والشريعة، والفلك، والنحو، وألف "تهافت التهافت" الذي رذَ به على كتاب "تهافت الفلاسفة" للغزالي، ورأى أن الإلمام الواسع في الفلسفة يؤدي إلى عدم التعارض بين الفلسفة والدين، ذلك إن الفيلسوف وإن كان لا يأخذ بتعاليم الكتب المنزلة بمعناها الحرفي، يدرك أن لا غنى عنها لإنماء روح التقوى والأخلاق السليمة في عقول الناس، والفيلسوف الناجح لا ينطق أو يشجع على لفظ يعارض الدين، ومن حق الفيلسوف، مقابل ذلك، أن يترك حراً يسعى وراء الحقيقة، وأن العقائد الدينية إذا فسرت تفسيراً رمزياً تتفق مع ما يكشف عنه العلم والفلسفة.
إن الفلسفة عنده هي البحث في معنى الوجود بقصد اصلاح شأن الإنسان، ويقول إن العالم أزلي، وإن حركات الكواكب لا بداية لها ولا نهاية، وإن القول بالخلق خرافة، والقائلون بالخلق يدعون أن الله ينشئ كائناً جديداً من غير أن يحتاج في إنشائه إلى مادة موجودة من قبل، والحركة أزلية ودائمة، وكل حركة تنشأ من حركة قبلها، ومن غير الحركة لا يكون زمن. ومع هذا، يقول إن الله هو خالق العالم، وهو نظام الكون، وقوته وعقله، ومن هذا النظام الأعلى والعقل الكلي يكون نظام الأفلاك والنجوم وعقلها المحرك، ومن عقل أدنى الأفلاك السماوية "فلك القمر" يأتي العقل الفعال الذي يدخل في جسم الإنسان المفرد وعقله، والعقل الإنساني مكون من عنصرين.
وإن المادة والصورة متلازمتان، لا توجد إحداهما بدون الأخرى، ولا يمكن فصلهما إلا ذهنياً، والموجودات تشكل مراتبية يتربع الله على قمتها، وهو العلة الأخيرة للوجود، والعقل الذي يعقل ذاته. والحقائق الدينية لا تتناقض مع الحقائق الفلسفية، لأن لكل منهما ميدانه الخاص، فالدين يرشد الإنسان إلى السلوك القويم في الحياة العملية، بينما الفلسفة تصل بالإنسان إلى إدراك الحقيقة المطلقة. وإن العقل الكلي للنوع الإنساني خالد، وهو وحده المعبر عن الاستمرارية والثورات في الحياة الروحية للبشرية.
وفي الجدل الذي دار حول الكليات "المفاهيم العامة" يرى أن ما يوجد في الواقع هو الأشياء العيانية فقط أما الكليات فليست سوى تسميات للأشياء، تقوم على أساس واقعي، وهدف المعرفة هو إدراكها. وعلم المنطق عنده هو المساعدة على الانتقال بالمعرفة من التصورات والإدراكات الحسية إلى حقائق مدركة بالعقل. ويمكن الوصول إلى الحقيقة المطلقة تدريجياً. وقال إن براهين رجال الدين المسلمين لا تقوى على الصمود أمام الحقائق العلمية، وابن رشد لا يتنكر للدين الذي هو للعمل، أما الفلسفة فهي للنظر.
إن المجتمع الذي يرتبط فيه نظام الحكم، والقانون، والأخلاق بالعقيدة الدينية، يرى في كل خروج على تلك العقيدة تهديداً للنظام الاجتماعي نفسه.
لم يرضى أهل السنة، بإخضاع الدين إلى هذا الحد من الجدل العقلي، ونادى كثيرون منهم بمبدأ "بلا كيف"، أي من واجب الإنسان أن يؤمن دون أن يسأل "كيف يكون هذا الإيمان"، وامتنع معظم علماء الدين عن الجدل في الموضوعات الأساسية، ولكنهم اندفعوا يجادلون في التفاصيل الجزئية لعقيدة اتخذوا مبادئها الأساسية بداءة يسلمون بها دون مناقشة، وهكذا انتهت موجة الفلسفة في تلك الفترة.
لما تولى المتوكل الخلافة "847"م نقض كل سياسة التفكير الحرة التي أسس لها المأمون، وألغى كل قراراته، وحرم الجهر بالآراء المخالفة لآراء أهل السنة في الأدب، والفلسفة، وشرَّع قانوناً يحتم القول بأن القرآن أزلي غير مخلوق.
وكان لأبي الحسن الأشعري ( 873-935 م)، المعتزلي، ثم من أهل السنة، المؤمن بقوة بمبدأ الجبرية "إن الله قرر منذ الأزل كل عمل وكل حادث، وإنه علتها كلها، وإنه يعلو على القوانين والأخلاق، وإنه يصرف شؤون خلقه كما يشاء، فإذا بعث بهم جميعاً إلى النار فليس في ذلك خطأ أبداً".
أما الغزالي الذي ولد في طوس ( 1085-111) م، اعتبر أنه قد عثر على المعرفة في تأمل الصوفية الباطني، فالصوفي يقترب من سر الحقيقة المكنون أكثر مما يقترب منه الفيلسوف، وأرقى أنواع المعرفة هو التأمل في معجزة العقل حتى يظهر الله للمتأمل من داخل نفسهن وحتى تختفي النفس ذاتها في رؤية الواحد. ورد على الفلاسفة، بكتابه "تهافت الفلاسفة".
المنهج الذي كان مسيطراً على التدريس في جامعات أوروبا خلال العصور الوسطى. وكان الصوفي محي الدين بن العربي 1165-1240 يرى أن العالم لم يخلق قط لأنه المظهر الخارجي لما هو في حقيقته الداخلية الله نفسه، والجحيم مقام مؤقت، لأن الناس كلهم سينجون آخر الأمر، والحب يخطئ إذا كان هو حب المظهر الجسدي الزائل، لأن الله هو الذي يظهره في صورة المحبوب، والمحب الصادق يجد في أي صورة جميلة باعث الجمال كله ويعشقه "من أحب وأعف ثم مات شهيداً".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-هناك من ينسب، خطأ، إلى يعقوب بن اسحق الكندي رسالة (الدفاع عن المسيحية)، بينما هي لعبد المسيح بن اسحق الكندي.
2-االفلسفة لأفلاطونية الجديدة: نسبة لمؤسسها أفلوطين، وتأسست في الإسكندرية، في القرن الثالث الميلادي تأثرت بفلسفة أفلاطون مع مزجها بالديانات المصرية واليهودية والمسيحية.
3-الفلسفة المدرسية: فلسفة كانت تستخدم منهجاً نقدياً في التحليل الفلسفي، بناء على نموذج مسيحي ألوهي ولاتيني، وهو المنهج الذي كان مسيطراً على التدريس في جامعات أوروبا خلال العصور الوسطى.