كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

قول في الحداثة

مروان حبش- فينكس

المجتمعات التي هي وليدة ذاتها وتتحدد بأدواتها وأعمالها، لم تكن تلجأ إلى أي مبدأ غير اجتماعي في تحليلها كما في عملها. ويمكن استكمال هذا التحليل بتوصيف آخر.
ثمة نمطٌ من التجربة أو الممارسة الفعالة، تجربة أو ممارسة في المكان والزمان، مع الذات والآخرين، مع فرص الحياة وأخطارها، التي يتقاسمها الناس جميعاً، نساءً ورجالاً، في سائر أرجاء العالم، وهذا الكم من التجربة أو الممارسة هو الذي أُطلق عليه تجربة التحديث أو الحداثة.
وأن نكون من أبناء الحداثة، يعني أن نكون مغامرين قادرين على تحويل أنفسنا والعالم، وفي الوقت نفسه، نحمل تهديداً بتدمير كل ما لدينا، وكل ما نعرفه وكل ما نكونه، بهدف تكوين مجتمع ناشط وخلاق وصراعي، بالتعارض مع أنساق اجتماعية منظمة بغية إعادة انتاجها وتحقيق توازنها وتكاملها، وهو ما يسميها بعض علماء الاجتماع بـ "الطوائف" التي ترتكز على مبادئ غير اجتماعية، سواء كانت من النمط الديني أو التقليدي أو من كليهما معاً. والحداثة المكتملة نقيض للنموذج الطائفي، وهي ذلك الثنائي من القوى المتعارضة والمتكاملة التي تعطي المجتمع سيطرة كاملة على ذاته.
إن الانتقال من "الطائفة" إلى المجتمع لا يمكن أن يتم بفرض نخبةٍ حاكمةٍ سيطرتها على مجمل الحياة الاجتماعيةً، لأنه إذا أمكن للعنف أن يخلق السلطة، فإنه يعجز عن خلق القدرة على التحول الذاتي والعقلنة، مما يقود إلى تحديد الحداثة بمبادئ مخالفة لـ "الطائفية".
تتنافى فكرة الحداثة مع فكرة مجتمع يشكل أساساً لذاته، أو بالأحرى شرعية لذاته، إذ تؤكد، بخلافها، أنه لم توجد، إلا لأنها تعترف بوجود أسس غير اجتماعية للنظام الاجتماعي وتدافع عن هذه الأسس. تشهد على ذلك الأهمية التي توليها للعقل الذي يربأ به شموله عن أن يكون أسير الدور الذي يمارسه في سير المجتمع. هذه الشمولية (مذهب الذين لا يعترفون إلّا بالوجود الكلي الموحد)، التي تتضمن فكرة حقوق الإنسان لا تندرج قطعاً، ضمن مفهوم المجتمع كما تَمثَّله الفكر الغربي، لا بل إنه يفضل، من الناحية الفكرية، التشديد على التناقض بين خطاب الحداثة الذي ينيط التنظيم الاجتماعي بمبادئ غير اجتماعية تتصف بالشمول وخطاب المجتمع الذي لا يؤسس المعايير الاجتماعية إلّا على مصلحة المجتمع. لأن الحداثة بكونها تُرسي أسساً لا اجتماعية لأفعال اجتماعية تفرض خضوع المجتمع لمبادئ أو قيم ليست اجتماعية في حد ذاتها.
إن الحداثة هي التاريخ الموضوعي للبنى العقلانية. ويبقى رجوع التاريخ للعقل مكوناً لقول الحداثة، ووجودها رهنٌ بتوفر مكونين إثنين، باعتبارهما شرطاً لوجود الحرية والإبداع داخل الأنظمة الاجتماعية التي تتجه بطبيعتها إلى تقوية ذاتها وإلى تكوين فاعلين أحرار. هذان المكونان هما:
1-الاعتقاد بالعقل والنشاط العقلي، لأن العقل لا يبنى على الدفاع عن المصالح الجماعية أو الفردية، بل يتأسس على ذاته وعلى مفهوم للحقيقة لا يُدرك بمصطلحات اقتصادية أو سياسية، وهو أساس لا اجتماعي للحياة الاجتماعية.
2-الاعتراف بحقوق الفرد، أي إثبات شمولية تعطي جميع الأفراد الحقوق نفسها، مع التنويه بأن فكرة العلمانية لا تنفصل عن فكرة حقوق الفرد.
وانطلاقاً من ذلك فإن المجتمعات الحديثة تتأسس على هذين المبدأين اللذين ليسا من طبيعة اجتماعية.
طالما تعينت نظرية الحداثة وفق مقولات خاصة بفلسفة التفكر، وفقاً لمفاهيم المعرفة والوعي ووعي الذات، فتصبح الحداثة هي الدعوة المستمرة التي تتعدى المعايير والواجبات الاجتماعية إلى شمولية الحقوق، كما أنها لا تستند إلى أي مبدأ متعالٍ بل تؤكد أن الحرية الخلاقة لكل فرد أو مجموعة من الأفراد هي الخير المطلق، وأنها لا تفترض أساساً غير ذاتها. كما أنها تترك المجتمع يدير شؤونه بنفسه، معتبراً تلاحمه حاجة مركزية يجب اتخاذها معياراً لتقييم كل تصرفاته.
والحداثة بوصفها ثورة دائمة ضد مجمل الوجود الحديث، أي أنها (تقليد الإطاحة بالتقليد)، كما يقول "هارولد روزنبرغ"، و(ثقافة مضادة)، حسب قول "ليوئيل زيللنغ، و(ثقافة النفي)، برأي "ريناتو بوغيولي"، وهي كما يراها "هيغل" تتصف ببنية علاقة مع الذات، (إن حرية الذات، هي بشكل عام، مبدأ العالم الحديث)، وهو أول من وضع في مسألة فلسفية، قطيعة الحداثة مع الايحاءات المعيارية للماضي الغريب عنها.
إن نظرية التحديث، بالنسبة لمفهوم الحداثة عند "ماكس فيبر"، تعمد إلى تجريد مثقل بالنتائج، فهي تفصل الحداثة عن أصولها، وتعرضها بمثابة نموذج عام لسيرورات التطور الاجتماعي، نموذج حيادي يهمل الإطار المكاني- الزماني الذي يطلق فيه.
هناك مشكلة مع الحداثة بوصفها إشكالية، إنها تميل إلى طرح نموذج لمجتمع حديث يكون هو نفسه خالياً من المشكلات، إنها تتجاوز كل الاضطرابات المتصلة لجميع العلاقات الاجتماعية، وسائر أشكال القلق والتحريض. كما أن فكرة الحداثة تحمل في ذاتها توتراً يستحيل تجاوزه بين العقل الذي يتأسس على ذاته وعلى مفهوم للحقيقة، وهو أساس لا اجتماعي للحياة الاجتماعية، وحقوق الأفراد، من جهة، والمصلحة الجماعية، من جهة أخرى. كذلك فإن المواطنية "التي ترتكز على الاعتراف للمواطن بحقوق سياسية"، والحقوق المدنية، هما أيضاً تعبير سياسي عن العقلانية، لكنه يتناقض مع اندماج المجتمع وتلاحمه، تناقض الحقوق مع الواجبات.
إن المجتمع الذي يستمد وجوده من مبادئ الحداثة هو مجتمع يصنع ذاته، إنه حركة تحولٍ ذاتي وتدمير للذات تمهيداً لإعادة بنائها، إنه يؤمن باستعمال العقل ويحترم الحقيقة. لأن الحداثة هي ذلك الثنائي من القوى المتعارضة والمتكاملة التي تعطي المجتمع سيطرة كاملة على ذاته، أي أنها النقيض لخلق المجتمع لذاته، وانتصارٌ له بتماهيه معها، وبكونها ترسي أسساً لا اجتماعية لأفعال اجتماعية، وتفرض خضوع المجتمع لمبادئ وقيم ليست اجتماعية في حد ذاتها. وبكَوْنِ تطورها يكون بإفلاتها من فكرة المجتمع.
إن نموذج المجتمع الذي يتفتت أمام أنظارنا على نحو متسارع، في الوقت الذي تسعى مبادئ الحداثة إلى فرض نفسها بصورة أكثر فأكثر مباشرة، وعلى أنقاض المجتمع تتقدم قوى غير منضبطة هي قوة السوق والحرب والعنف، من جهة، وقوى الحداثة بعناصرها الرئيسية، وهي العقلانية والحقوق الإنسانية الشاملة، من جهة ثانية. وهي تَلقى تجاوباً وإقبالاً متزايدين من دون أن تمر بحلم المجتمع الكامل.
تتغذى دوامة حياة الحداثة من موارد عديدة منها: اكتشافات العلوم، وتحويل المعرفة العلمية إلى تكنولوجيا، والثورات الديمغرافية، والنمو الحضاري، ونظم اتصال الجماهير، والدول القومية، والحركات الجماهيرية، والسوق العالمية....، إن التحديث هو تلك العمليات الاجتماعية التي تحدث هذه الاستمرارية وتبقيها في حالة صيرورة دائمة.
هذه العمليات التاريخية- العالمية قد أفرزت جملة من الأفكار والرؤى المتنوعة التي ترمي إلى جعل الناس أدوات للتحديث وموضوعات له في الوقت نفسه، وإلى تمكينهم من تغيير العالم الذي يقوم بتغييرهم. وبإلحاق كل أشكال التنظيم الاجتماعي بهدف محوري هو خلق فاعلين قادرين على ابتكار قدراتهم الخاصة، وتكون حريتهم ومسؤوليتهم مبنيتان تحديداً على مكوني الحداثة الرئيسيين، الفكر العقلاني واحترام حقوق الإنسان.
وكما أن المواطنية والحقوق المدنية تعبير سياسي عن العقلانية، فإن العقل يتأسس على ذاته وعلى مفهوم للحقيقة، وهو أساس لا اجتماعي للحياة الاجتماعية.
إن الحداثة لم تطرح على نفسها مسألة العثور على ضماناتها الخاصة في ذاتها إلّا في نهاية القرن الثامن عشر، وأن الواقع الذي يضطر الحداثة أن تجد توازنها انطلاقاً من الانشقاقات التي أحدثتها هي نفسها، وبمقدار ما تستفيق على وعيها ذاتها.  
الوحدة الوطنية: مَعْلمٌ مميزٌ للشعب في سورية، وركيزةٌ راسخةٌ لبناء سورية الجديدة واستعادة دورها الحضاري والتاريخي
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية