الكواكبي: المفكر ورائد الحرية
2022.09.14
مروان حبش- فينكس
يعدّ عبد الرحمن الكواكبي من أبرز مفكّري القرن التاسع عشر، وما زالت أفكاره الإصلاحية محور اهتمام الباحثين والمفكرين إلى هذا اليوم، ومن أبرز أفكاره أنه حدد مهمة التربية بالتربية العامة؛ وهي تشمل كبار الأمة وصغارها. وبتربية الناشئين في المدارس والمعاهد؛ وتزويدهم بما ينفعهم وينفع أمتهم، في أعمالهم الخاصة والمشتركة.
رفض الكواكبي الاستبداد مع بيان رفض الدين له، وتحليل آثاره الأخلاقية والاجتماعية والنفسية. يؤكد على أهمية التنوع في دراسة العلوم والمعارف؛ اقتداءً بما يجري في الغرب، فالحكمة ضالة المؤمن. دعا الكواكبي إلى التجديد الديني من خلال رفض الجمود والخرافة، وتفعيل الفهم والاجتهاد بحسب تغيير الأزمان وتنوع الظروف. ودعا إلى قيام المجتمع على التعاون والتضامن بين العاملين فيه، وإزالة أسباب العجز عن الكسب مع معاونة العاجزين عنه لضرورة المرض أو الحرمان. وجعل الكواكبي قضية الدولة والخلافة تعتمد على ثلاث قواعد أساسية: أن تنفصل الأمة عن أي مستبد أو مستعمر. أن تعود الخلافة إلى الأمة العربية. أن تقوم الخلافة على أساس الانتخاب والشورى، والتعاون المتبادل على سنة المساواة بين الأقطار الإسلامية. نادى الكواكبي بإعادة تكوين وعي العرب؛ من خلال رفض الاستعمار العسكري والثقافي. وطالب باتحاد الحكومات مع رعيتها فتعود عليها بالعوائد والمشاريع.
يرى الكواكبي استحالة تحقيق قيم الحق والعدل، والحرية والمساواة بوجود الاستبداد. حاول الكواكبي النهوض بالأمة العربية؛ من خلال الاستقلال عن العثمانيين وإقامة دولة عربية قومية.
ويلخص الكواكبي رؤيته للحرية ومشكلات الاستبداد بقوله إن الهدف من الديمقراطية والحرية والعدالة هو خدمة المجموع وسعادته، وهو لا يقصد فقط الحرية السياسية بل كان يرى للديمقراطية مضمونا اجتماعيا، ويراها التزاما للإنسان إزاء قومه ومجتمعه بقدر ما هي تحرير لهذا الإنسان.
ومن كلماته المأثورة في تمجيد الحرية والحث على مقارعة الاستبداد، قوله: "إن الهرب من الموت موت!.. وطلب الموت حياة!.. (…) والحرية هي شجرة الخلد، وسقياها قطرات الدم المسفوح.. والإسارة (العبودية) هي شجرة الزقوم، وسقياها أنهر من الدم الأبيض، أي الدموع!".
ومن المشكلات التي تناولتها كتابات الكواكبي "مشكلة الأقليات الدينية"، إذ خاطب المسيحين العرب قائلا لهم إن وحدة الأوطان لا تشترط وحدة الدين، وإن الوفاق الجنسي بينهم وبين المسلمين -باعتبار أن أغلبية العرب منهم- أقوى من الوفاق المذهبي بينهم وبين المستعمرين الأوروبيين.
ويرى الدكتور محمد عمارة -في كتابه "عبد الرحمن الكواكبي.. شهيد الحرية ومجدد الإسلام"- (أن الكواكبي كان قوميا عربيا لكنه لا يعزل عروبته وقوميته عن دائرة الجامعة الإسلامية، وكان مصلحا إسلاميا يعمل لتجديد الإسلام كي تتجدد به دنيا المسلمين، لكنه يشدد على تميز الأمة العربية في إطار المحيط الإسلامي الكبير).
ترك الكواكبي كتبا قليلة في عددها لكنها نوعية في مضمونها، من بينها مؤلفه الشهير "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" الذي كتبه أثناء إقامته في مصر، وكتاباه "أم القرى" الذي نشره باسمه المستعار "السيد الفراتي"، و"صحائف قريش" الذي لم يطبع.
توفي عبد الرحمن الكواكبي فجأة مساء الخميس 14 حزيران 1902 في القاهرة، ويقال إنه مات مسموما بتدبير من السلطات التركية. شـُيعت جنازته في موكب مهيب، ودُفن في قرافة باب الوزير بسفح جبل المقطم شرقي القاهرة على نفقة الخديوي عباس.
أقام له الشيخ علي يوسف صاحب جريدة "المؤيد" المصرية مأتما استمر ثلاثة أيام، ونـُقشت على قبره أبيات للشاعر المصري حافظ إبراهيم جاء فيها:
هنا رجل الدنيا هنا مهبِط التـقى
هنا خير مظلوم هنا خير كاتب
قفوا واقرؤوا أم الكتاب وسلموا
عليه فهذا القـبر قــــبر الكواكبي