كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

* الشاعر سعدي يوسف.. الطائر الذي غرّد وحيداً

أحمد غانم:

أتغرد في صحراء أم أن صخب الموج أوهمك بجيشان قريب؟ أم تبوح لروحك بما خشيت أن تفضحه راياتك المكسورة؟
لم تأت في الزمن الخطأ فأنت الجميل أنّى جئت وكيف أتيت. نحن من لم يأت فأضعنا الزمن!
إذا كان من المستحيل على إنسان أن يختصر وطناً، فإن سعدي يوسف بالمنافي التي عرفها والغربة التي أكلت عمره، منذ عام 1964وحتى وفاته العام الماضي، كان عنواناً لوطن وشعب تغرب عن ذاته منذ ما ينوف على ألف سنة. يقول
"أغور في الذكرى فتمتد على جبهتي القضبان"سعدي يوسف
شاعر لم ينتصر في معركة، ولكنه مات دون أن يهزم. في ملامحه تقرأ حزناً دفيناً وكأنه مسؤول عن مآسي الإنسان الذي رآه بلون واحد كما هو الظلم بلون واحد. وحين يتحدث تجد براءة الأطفال وأحلام الشباب. ومع ذلك فقد كان كالواقع في صدقه، كتلة من المتناقضات. في داخله هذا الواقع المر المكتظ بالعنف والظلم، وكذلك في داخله الحلم الجميل لزمن قادم. عالمان متوازيان في رأس واحد. بل تجدهما في جملة شعرية واحدة. إلا أن التفاؤل كان مشحوناً بأشواقه التي مزقتها المنافي واغتالتها الغربة. كان كسرفانتس هارباً من السجن إلا أن سرفانتس اختار مغارته في الجزائر ليكتب أفول عصر النبالة أمام تطور الواقع والحداثة التي بشر بها. ولم يستطع السجن العثماني من قتل روحه كما لم تفلح الوحدة في موت عقله الوثاب. كذلك سعدي يوسف لم تتمكن تلك العقود من المنافي من إغماض بصيرته عن عالم أفضل سيأتي. وهذه الديكتاتوريات ليست أكثر من ديناصورات تجاوزها التطور وهي دونكيشوت العرب اليوم. وسيثبت الواقع أنها آيلة للانقراض. إلّا أن وحدته تركت اثرها على روحه:
"نحن نبكي طلقة/ حتى/ ولو صدئة؟".
وظل يحلم بالعودة إذ أن طيف بلاده لم يفارقه لحظة:
"دعوني أقل ما أشاء/ دعوني أكن من أشاء/ دعوني أمت أو أعشق نجمة.../ فغرناطة العشق عريانة... وحدها/ بانتظار الذي سيأتي وحيداً".
لم يكن لقاءنا في عدن عام 1984 مصادفة. فحين عرفت أنه في عدن بحثت عنه ووجدته. دخلت إلى مكتبه وكان مديراً لدار الهمداني؛ وهي دار النشر الوحيدة في عدن آنذاك. استقبلني بلطف ومودة. وحين أخبرته أني كنت بين الناس الذين استقبلوه ومحمود درويش ورفاقهما في ميناء طرطوس بعد خروجهم من بيروت اثر الغزو الاسرائيلي واجتياح لبنان رحب بي من جديد. وكانت مادة لحوار عبّر من خلاله عن ثقته بالشعب وروحه التي لا تموت والتي هي أصدق و أعمق من كل الأنظمة السياسية في العالم. و إذا كان الشعب العربي لم يصل إلى مرحلة الوعي فإن الزمن كفيل بنهوض الأمة والإنسان عموماً وتحطيم كل الديكتاتوريات في العالم. وضحك قائلاّ: هذه طبيعة الحلم. لا بد لنا من الحلم وإلّا نموت قبل الموت.
كما عبّر أكثر من مرة: ظنناً أنها مسألة أشهر أو سنة وينتفض الشعب ونعود. ولكن مواسم الهجرة طالت ويبدو أنها ستطول. فالشعب وكأنه سلّم أمره للقدر الذي فهمه بطريقة خاطئة بعيداً عن الوعي والفعل. وأذكر أني عبّرت عن المسألة فقلت: نظن أنها فطور لا تستمر إلّا أياماً حتى تذبل وتموت متعفنة. ولكنها تحجرت وتحولت إلى أصنام تعبد.
تكررت لقاءاتنا أسبوعياً تقريباً خلال أكثر من شهرين. تحدثنا عن مواضيع مختلفة. و أذكر أني قلت له في إحدى الجلسات: أبي في منتصف السبعينيات من العمر ومع ذلك يتذوق كلمات قصيدتك "مادونا" ويطرب لها. سر بذلك و أخبرني أنه منذ بضعة أشهر فقط حتى علم بتلحينها وغنائها من قبل مارسيل خليفة و أنه أهداه كاسيت الأغنية حين زار عدن.
بعد أقل من ثلاثة أشهر من لقائنا الأول ودعت مدينة عدن وسعدي يوسف ولم أره بعدها حتى وفاته.
______________
*ملاحظة: عالم سعدي يوسف غني وعميق ويتميز بشعره الحداثي في أنه شاعر قضية الانسان. وأنه ينهل من التراث البعيد حتى امرؤ القيس ويصوغه بحداثة بليغة تجد معها أن الالفاظ تعجز عن حمل معانيه ورؤاه. رحم الله سعدي يوسف الذي ولد وحيداً وعاش وحيداً ومات وحيداً. 
الوحدة الوطنية: مَعْلمٌ مميزٌ للشعب في سورية، وركيزةٌ راسخةٌ لبناء سورية الجديدة واستعادة دورها الحضاري والتاريخي
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية