كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

قراءة نقدية ومقارنة في كتاب «العرب من وجهة نظر يابانية» للمؤلف نوبوأكي نوتوهارا 1 من 2

مروان حبش

نوبوأكي نوتوهارا هو باحث ومترجم ياباني أمضى أكثر من أربعين عاماً في العالم العربي، زار خلالها العديد من الدول العربية، ودرس اللغة العربية وآدابها، واحتكّ بالمثقفين والناس العاديين.
يحاول الكاتب أن يقدّم رؤية مشاهدَة ومقارنة بين المجتمعات العربية والمجتمع الياباني، لا بوصفه مستشرقاً، بل شاهداً متفاعلًا ومتسائلاً.
اعتمد المؤلف كمنهجية، على الملاحظة المباشرة، وخلال إقامته الطويلة على قراءة الأعمال الأدبية العربية (غالباً المصرية والسورية). والمقارنة الحضارية بين اليابان والعالم العربي. والنقد البنّاء. فهو يصرّ على أنه لا يقدم "حُكماً" بل يصف ما رأى. وإنَّ طابع الكتاب، سوسيولوجي - أنثروبولوجي - ثقافي، يعتمد على أمثلة وتجارب شخصية.
الأفكار الرئيسية في الكتاب. يرى نوتوهارا:
أولاً - غياب العدالة الاجتماعية، وأن أبرز مشكلة عربية هي الظلم (غياب المساواة أمام القانون. انتشار الفساد والمحسوبية. ضعف حماية المواطن أمام السلطة. (ويركز على أن اليابانيين يخافون من القانون لأنه محايد، بينما العرب -بحسب تجربته - يخافون من السلطة لأنها شخصية وغير مؤسسية.
ثانياً - مفهوم السلطة، السلطة "أبوية" في العالم العربي (السلطة تتصرف كـ "مالك" للمجتمع. المواطن "يتكيف" بدلاً من أن ينتقد. والخوف جزء من الحياة اليومية). هذا في مقابل المجتمع الياباني الذي تُبنى سلطته على التوافق والمسؤولية الجماعية أكثر من التهديد.
ثالثاً- الفرد والجماعة، (الفرد العربي ذائب في الجماعة "القبيلة، الطائفة، العائلة". والهوية الجمعية تطغى على الفردية). بينما في اليابان، رغم الجماعية القوية، توجد مساحة واضحة للفرد وحقوقه.
رابعاً- النظافة والنظام العام: ضعف الالتزام بالنظافة والمساحات العامة في الدول العربية. مقابل حساسية يابانية شديدة للنظام والنظافة، لأنها "ملك للجميع". والتعامل مع الفضاء العام يكشف عمق الوعي بالمسؤولية المجتمعية.
خامساً- صورة العرب عن أنفسهم. يميل العرب إلى تبرير الأخطاء بدلاً من الاعتراف بها. إلقاء اللوم على لآخر: "الاستعمار، الظروف، المؤامرات". ومقاومة النقد الداخلي. بينما المجتمعات الناجحة تواجه مشكلاتها مباشرة.
سادساً- الأدب العربي كمرآة. إن الأدب يكشف أعماق المجتمع الذي قد لا يظهر في الإعلام. أدباء مثل: "صنع الله إبراهيم، حيدر حيدر، غسان كنفاني، نجيب محفوظ، نوال السعداوي ..."، يرسمون صورة دقيقة لمعاناة المجتمع.
سابعاً- العلاقة بين المواطن والدولة. الدولة في الدول العربية «سيدة» والمواطن خاضع. ضعف ثقة متبادلة. أما في اليابان: الدولة "خادم" لمواطنيها. والمؤسسات تعمل بشفافية.
يمتاز الكتاب، بسهولة القراءة والابتعاد عن الخطاب الأكاديمي الجاف، وبسهولة الأسلوب وسلاسة الأمثلة. بالوقت ذاته، هناك غياب المنهج الأكاديمي إذ لا يقدم بيانات أو دراسات أو مصادر. قلّة التوازن، إذ نادراً ما يذكر الجوانب الإيجابية أو التطورات الحديثة. ويقع أحياناً، في نظرة أبوية تجاه العرب. وهناك التعميم المفرط، إذ يتحدث عن "العرب" بوصفهم وحدة واحدة، ويعتمد على نماذج انتقائية محددة من بلدان تعاني مشكلات سياسية واضحة.
وهذا دفع بعض الباحثين للقول: إن الكتاب يعمم كثيراً على العالم العربي رغم تنوعه الشديد. أحياناً ينظر من زاوية "المراقب" أكثر من زاوية الباحث المتعمق. يغفل بعض الإنجازات العربية المعاصرة. واليابان نفسها ليست مثالية كما يصورها.
يتميز أسلوب نوتوهارا بلغة بسيطة وواضحة. وهو مزيج بين التجربة الشخصية والتحليل الاجتماعي. ونقد مباشر أحياناً لدرجة القسوة، لكنه يعتبر نفسه محباً للعرب. وهو لا يدعي امتلاك الحقيقة، بل يقدّم "وجهة نظر" كما يشير العنوان.
يقدم المؤلف، تجربة معيشة طويلة تمنح الكتاب مصداقية شخصية. رؤية خارجية صادقة وغير مجاملة. اعتماداً كبيرأً على الملاحظة الحية. مقارنة حضارية عملية مع اليابان. جرأة غير مألوفة في نقد العرب من منظور آسيوي لا غربي. ومقارنة حضارية كاشفة بين اليابان والعرب.
إن كتاب نوتوهارا ذاتي وتجريبي يعتمد على خبرة شخصية طويلة في العالم العربي. غير أكاديمي فهو يخلو من النظريات أو الإحالات العميقة، وأقرب إلى المذكرات السوسيولوجية. يستحضر التجربة اليابانية بوصفها مرجعاً للمقارنة. مما يجعله كتاباً ذا قيمة تجريبية، لكنه أيضاً يعاني من الانتقائية ومشكلة التعميم.
وفي مقارنة الكتاب بثلاثة كتب مشابهة في الموضوع والمنهج تناولت العرب بين الذات والآخر. هي:
1-"الاستشراق» لإدوارد سعيد.
أوجه التشابه: كلاهما يقدّم قراءة من الخارج للعالم العربي. كلاهما ينتقد صور العرب النمطية. ينتقد إدوار سعيد الصور الغربية الاستعمارية، بينما نوتوهارا ينتقد الصور التي يصنعها العرب لأنفسهم.
أوجه الاختلاف: الموقع المعرفي، يمثل سعيد منظوراً نظرياً عميقاً يفكك خطاب الهيمنة الغربية. نوتوهارا يمثل منظور المراقب العملي الذي لا يهتم بالتحليل السياسي البنيوي. يهدم سعيد النموذج المعرفي الغربي عن الشرق. بينما نوتوهارا لا يهدم نموذجاً بل يصف واقعاً رأى أنه بحاجة إلى إصلاح. يستخدم سعيد مراجع واسعة وتحليل نصوص. أما نوتوهارا فمحدود بالخبرة الشخصية، ما يجعله عرضة لاتهامات الانطباعية والتعميم. وبعتُبر كتاب سعيد دراسة في نقد خطاب القوة، بينما كتاب نوتوهارا شهادة ثقافية، وليس دراسة يمكن الاعتماد عليها علمياً بالدرجة نفسها.
2-"صدام الحضارات" لصمويل هنتنغتون.
أوجه التشابه: كلاهما يصدر من خارج العالم العربي. كلاهما يعمم أحياناً على العرب ككتلة واحدة. أوجه الاختلاف: هنتنغتون ينظر للعرب ضمن إطار جغرافي- استراتيجي يرسم خطوط الصراع. يقدّم نظرية شاملة تحاول تفسير العالم. نوتوهارا ينظر للعرب من منظور اجتماعي-ثقافي مرتبط بالحياة اليومية. ويقدّم ملاحظات واقعية حول السلوك الاجتماعي.
يتبنى كتاب هنتنغتون أطروحة تحمل إمكانيات سياسية خطيرة، وتحشيداً سياسياً يجعل العرب جزءاً من "كتلة حضارية صدامية". بينما كتاب نوتوهارا، رغم قسوته، يبقى قريباً من هدف الإصلاح الاجتماعي، ويقدم قراءة إنسانية قد تكون قاسية لكنها ليست عدائية.
3-"يوميات عربي غاضب» لجلال أمين.
أوجه التشابه: كلاهما ينتقد الأنظمة العربية والممارسات الاجتماعية. كلاهما يرفض ثقافة التبرير والشكوى.
أوجه الاختلاف: جلال أمين ينتقد من داخل التجربة العربية وبوعي عميق بالسياق التاريخي والاقتصادي. ويميز بين الأسباب البنيوية (التعليم، الاقتصاد، الاستبداد السياسي). ويقدّم أيضاً جوانب القوة والجمال في الشخصية العربية. بينما نوتوهارا ينتقد من خارج السياق دون معرفة تاريخية كاملة. ويركز نوتوهارا على السلوكيات اليومية أكثر من البنى العميقة. ويميل إلى التركيز على السلبيات، ما يجعل كتابه يبدو «تقريرياً» وغير متوازن.
يأتي نقد جلال أمين من داخل الثقافة، أكثر تركيباً واتزاناً. بينما يشبه نوتوهارا "مرآة من الخارج" تضيء ما لا يراه الداخل، لكن بزاوية حادة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)لقد اجتمعت وبعض الأصدقاء، ولأكثر من مرة مع مؤلف الكتاب في المكتبة الوطنية "الأسد" بدمشق