التناص السينمائي.. "فيسبا" محمود عبد العزيز تسبق "فيراري" آل باتشينو
مُفيد عيسى أحمد- فينكس:
تقومُ السينما كفنٍّ مرئيّ على النصوصِ المكتوبة - إلاّ في تجاربَ قليلة - مِنها ما كُتِبَ مُباشرةً كسيناريوهات مُكتمِلة، ومِنها ما أُخِذَ عن أعمالٍ أدبيّة روائيّة؛ كَ (العرّاب واسم الوردة، زوربا والبؤساء، سجن الشاوشنغ وفورست كامب... ) عالميّاً، وعربيّاً (المواطن مصري و الكيت كات، الفهد واليازرلي، المخدوعون...)، إضافةً إلى أفلامٍ أُخرِجَت عن نُصوصٍ مسرحيّة، كتلكَ التي بُنِيَت على المسرحِ الشكسبيري؛ كَـ (هاملت و عُطَيل، الملك لير وماكبث..)، وعن مسرحيّاتٍ لكُتّابٍ مُختلفين، مثل (عربة اسمُها الرغبة، الموت و العذراء، وشمُ الوردة..).
ما سبق يُمكّنُنا منَ الحديثِ عنِ "التناصّ" في السينما، و التناص مصطلح نقدي يعني تلك العلاقات التي توجد بين نص و نصوص أخرى. فالتناصّ في السيناريو سينتجُ عنه بعد الاخراج علاقات مرئية مع أفلام أخرى. هذا التناصّ يأتي على درجات؛ فنرى أفلاماً مُتشابهة بدرجةٍ كبيرة كما في فيلم "رسائل شفهيّة"، سيناريو و إخراج "عبد اللطيف عبد الحميد"، وبُطولة (فايز قزق، رنا جمّول، زهير رمضان), وفيلم "سيرانو دي بيرجاك"، إخراج "جان بول رابيتيو" عن نصٍّ لِـ "جان كلود كاريير"، وبطولة (جيرار ديبارديو و فنسنت بيريز و لودفين ساجيز). و قد يقتصرُ التشابه على مشاهدِ فقط تختلفُ مكوّناتُها كما رأينا في فيلمَين؛ واحدٌ منَ السينما العالميّة، هوَ فيلم "عِطرُ امرأة"، إنتاج عام /1992/، من إخراج "مارتن برست" و بُطولة (آل باتشينو، كريس أودينيلي، برادلي ويتفورد، غابرييل أنور و آخرين). وفيلم منَ السينما العربيّة، هوَ "الكيت كات"، إنتاج عام /1991/، من سيناريو و إخراج "داود عبد السيّد"، عن رواية (مالك الحزين) لِ "إبراهيم أصلان".
العقيد "فرانك سيلدر" آل باتشيو، في فيلم "عطر امرأة" خلّفت لهُ الحرب عاهةَ العَمى، لكنَّ هذهِ العاهة لم تُثنهِ أو تُحبطهُ عن أن يعيشَ الحياة، فهوَ ذو بنيةٍ نفسيّة تميلُ إلى العُصابيّة بترجيعٍ قريب، يعيشُ الحياةَ بزَخَمِها، هذا ما يتّضح منذُ بدايةِ الفيلم. يرغبُ "فرانك" بالقيامِ برحلة، ويُعلنُ عن حاجتهِ لمُرافق. يرسلُ لهُ أحدُ المكاتب الشابَّ الجامعيّ "شارلي" وهوَ (كريس أودينيلي)، ليُرافقهُ فيها، ويتّضّح أنّهُ شابٌّ يميلُ إلى الشفافية، قليلُ التجربة كونهُ في مُقتبلِ العُمر، ويميلُ للانهزاميّة نوعاً ما بسببِ حادثٍ وقعَ لهُ في الجامِعة.
يمضي الفيلم في أحداث دراماتيكيّة، تبدأ بمشهدٍ جميل يتنسّمُ فيه الجنرال "فرانك" عِطرَ امرأةٍ أخّاذ أثناءَ وجودهِ في أحد النوادي، ينهض ويدعوها لرقصِ "التانغو"، لكنَّها تعتذر بداعي أنّها لا تعرفُ ذلك، غيرَ أنَّ العقيد يجذبُها من يدِها قائِلاً: "سأُعلّمُك"، فتنهض ليؤدّي معها رقصةً وسطَ إعجابِ الجميعِ وذهولهم. بعدَ ذلك نراهُ في مشهدٍ مُختلف يحاولُ فيهِ الانتحار بعدَ أن يرتدي حُلَّتهُ العسكريّة ويُعلّق عليها كلَّ الأوسمة والنّياشين. وفي مشهدٍ آخرَ نراهُ يُدافع عن "شارلي" أمامَ مجلسِ الانضباط في الكُليّة. ولكنَّ المشهدَ الأجمل و الذي أردنا الحديثَ عنه هوَ مشهدُ قيادةِ العقيد الأعمى لسيّارة "الفيراري".
يسعى العقيد لاستئجارِ سيّارة "فيراري" لمُرافقهِ "شارلي"، وتبدو براعةُ العقيد وسخاؤهُ بالتفاوضِ في الحوارِ معَ البائع في مكتب السيّارات. يَخرج "فرانك" و "شارلي" بالسيّارة منَ المكتب إلى شوارع البلدة، يقود شارلي السيارة بحذر بإرشادات فرانك، لا يلبث فرانك أن يأخذ مكانه خلف مقود الفيراري و شارلي يحاول ثنيه عن ذلك، يقود العقيد السيارة بهدوء في البداية، ثم يزيد السرعة شيئاً فشيئاً، إلى أن يصل إلى حالة الجموح. يأخذ فرانك فرح يصل إلى النشوة، و شارلي قربه يرتعد، يصرخ به: "سأنعطف شارلي سأنعطف.. قل لي متى" يحاول شارلي إيقافه دون جدوى.. فيصرخ به عند نقطة الانعطاف: انعطف الآن .. يكرر فرانك الأمر أكثر من مرة، و يصرخ مهتاجاً مبتهجا: لقد فعلتها يا شارلي... لقد فعلتها. يفعل ذلك و كأنه انتصر على أمر ما.
في "الكيت كات" بيئة مُغايرة، فَـ "الحِتّة" بمُحتوياتِها معروفة في السينما المصريّة، لكنَّ "بحدوته " مُختلفة نسبيّاً، وما يجعلُها كذلك هوَ "الشيخ حُسني" الأعمى "محمود عبد العزيز". تقومُ القصّة على مُواجهةِ هذا الأعمى الحياةَ بتقلُّباتِها، فيعيش "الشيخ حسني" تلكَ التقلُّبات بزَخَمِها، بحُلوِها ومُرِّها، وبسُخريةٍ مُثيرة للضّحك، رغمَ أنّها تُضمِرُ الخيبةَ في الغالِب؛ أي على منهج (الكوميديا السّوداء).
و"الشيخ حسني" الذي فَشِلَ في نَيلِ شهادةِ "الأزهر"، وفي أن يُصبحَ مُنشِداً لا ييأس، فهوَ ضرير، يعيشُ كمَن لهُ عشرُ أعيُن. يدخلُ السينما مدجلاً على أحدِ العميان، يشرح لهُ فيلماً افتراضيّاً غيرَ ذلك الذي يُعرَض على الشاشة، ويُرافقهُ إلى النيل وبصعد معهُ المَركِب، ويُوهمهُ أنَّهُما صارا في عرضِ النهر، وهُناكَ ريحٌ وعاصفة، يُغنّي ويعزِف على العود، يُدخّن الحشيش. لكن ثمّةَ مُواجهةٌ أخرى للحياة تنتظره، وهيَ عن طريقِ ابنهِ "يوسف" (شريف مُنير) الذي يتخرّج منَ الجامِعة دونَ أن يبدأَ بحياةٍ عمليّة، فيُصبح هاجسهُ السفر، وتتبدّى خيبةُ الابن في الفشل جنسيّاً معَ جارتهِ المُطلَّقة "فاطمة " (عايدة رياض).
يقتنص "الشيخ حسني" الفُرصة ليُحقّقَ أحدَ أمانيه بقيادةِ "الموتوسيكل"، وفي المشهد يتلمّس (محمود عبد العزيز) "الفيسبا" كما يتلمّسُ امرأةً يعشقًها، ثمَّ يشمّرُ عباءَتهُ ويضعُها في فمه، ويستولي عليهِ بالإحراج، فيضع صاحبَهُ "سليمان" (أحمد كمال) تحتَ الأمرِ الواقع. يُربِك "الشيخ حسني" ساحة (الكيت كات)، وهوَ يقود "الموتوسيكل" يجعل الناسَ تتقافز وتهرُب، والعربات تنقلب. لكنَّ ذلكَ كلَّهُ يتحوّل إلى ابتسامةِ فرحِ مِن قِبَلِ الجميع. يبدو "الشيخ حسني" وكأنّهُ في حُلُم، يقودُ غيرَ آبهٍ بكُلّ ما يجري، إلى أن يعودَ للواقع باصطدامهِ بأقفاصِ الطيور.
تختلف شخصيّة "الشيخ حسني" عن شخصيّة "فرانك" بمُحدّداتِها، من ناحيةِ البيئة الحيويّة و (الفيزكس)، السويّة و الوسط الاجتماعيّ، و طبيعة الحياة وثقافتِها وكيفيّةِ التعاطي معها. لكنها تشترك معها في تلكَ الحالة الخاصّة المُتمثّلة بالإحساسِ بالحياة والتعاطي معَ مُفرداتِها و تقلُّباتِها، بالإصرارِ على تجاوزِ الإعاقة بأعلى درجةٍ منَ العيش بالذهابِ إلى أقصى ما يُمكن.
كما تختلف أيضاً من جهةِ الأداء، فرغمَ عبقرية "آل باتشينو" النجم العالميّ، نجد أنَّ (محمود عبد العزيز) يتفوّق عليهِ في الأداءِ الحاذق الذي وصلَ إلى درجةِ التماهي. لقد أدّى دورَهُ بإحساسٍ عميق و بحَرفيّةٍ مُدهشة، وسُخريةٍ مريرة، بتذوّقٍ حادّ لكلِّ مُعطياتِ الحياة، وكأنَّ "محمود عبد العزيز" خُلِقَ أعمى، وعاشَ حياتَهُ كُلّها في (الكيت كات).
"الكيت كات" و "عِطرُ امرأة" فيلمانِ عظيمان ومُهمّان في تاريخِ السينما، يؤكّدانِ أنَّ التجربة الإبداعيّة البشريّة لها جوانبُ مُشتركة وأوجُه مُتشابهة، إن كانت على سبيلِ التقاطع "التناصّ"، أو توارُد الأفكار من دون أن يطّلعَ مُبدعٌ على تجربةِ الآخر، مع الأخذِ بالحسبان أنَّ الإبداعَ عمليّةٌ تراكميّة غير واعية أحياناً، وهيَ تشبهُ المورّثات المُكتسَبة.
و لا بدَّ أن نُشير إلى أنّهُ إن كانَ هناكَ تناصّ بينَ الفيلمين، فإنَّ فيلم "الكيت كات" سبقَ "عِطر امرأة" بسنةٍ واحدة، وبالتالي "فيسبا" محمود عبد العزيز سبقت فيراري "آل باتشينو"، معَ خُصوصيّةِ كلّ مشهدٍ وشخصية وفيلم. وأعتقد أنَّ "مارتن بريست" لم يُشاهد "الكيت كات" حتّى يتأثّرَ به، لكنَّها التجربة الإنسانيّة حياتيّاً وإبداعياً بأوجُهِها المُتعدّدة.