ملاحظات حول كتاب "التاريخ إن نطق"
أُبي حسن
صدر مؤخراً، في لبنان، كتاب "التاريخ إن نطق"، للكاتب والباحث زين العابدين رمضان. والكتاب عبارة عن توثيق علمي وتاريخي لأعلام وشخصيات علويّة إسلامية، يعود بعضها لنحو ألف عام ونيّف من قبيل الصاحب بن عباد (أصله من طالقان، وكان وزيراً في الدولة البويهية) وأسامة بن منقذ.. الخ.
في هذه العجالة أسجّل ملاحظاتي حول الكتاب:
يعتمد الكاتب في بحثه على 65 مرجعاً، منها مثالاً لاحصراً، "يتيمة الدهر" للثعالبي، و"وفيات الأعيان" لابن خلكان، و"شذرات الذهب في أخبار من ذهب" لابن العماد الحلبي، و"خطط الشام" لمحمد كرد علي.. الخ، ما يؤكّد الجهد المبذول كي يرى هذا الكتاب النور.
من جانب آخر، كنتُ أفضّل أن يعتمد الكاتب إبّان توثيقه للشخصيات المرصودة التسلسل التاريخي لها عوضاً عن اتباعه لتسلسل الأحرف الأبجدية. ففي رأيي المتواضع لو كان اتبع الباحث التسلسل التاريخي من الأقدم إلى الأحدث، لكنا خرجنا بكتاب أقرب إلى التاريخ.
في الصفحة 33 يذكر الكاتب حادثة قتل المقدم أحمد مخلوف، ويكرر ذكرها في غير مكان من صفحات لاحقة يرد فيها ذكر المقدم احمد مخلوف أو ابنه مهنا، دون أن يذكر لنا سبب مقتل المقدم مخلوف، ولماذا قام القاتل بفعلته علماً أن مخلوف كان من أصحاب الأيادي البيضاء؟ هل كان سبب القتل دوافع قبلية متخلّفة؟
في ص27، يذكر الكاتب نسباً للعماد الغساني المعروف بالشيخ أحمد قرفيص، ويختلف نسبياً عن النسب الذي يورده الشيخ حسين حرفوش في كتابه "خير الصنيعة"، واللافت أن الباحث رمضان لا يذكر المصادر التي اعتمدها عند ذكره لنسب العماد الغساني، وإن كان قد فعل ذلك في غير كتاب له، فهذا لا يمنع من الإشارة الى المصدر.
يذكر الكاتب، في الهوامش، أسماء بلدات وقرى، بعضها معروف وبعضها مجهول بالنسبة لقرّاء كثر، كذكره (مثالاً لا حصراً) لقرى من قبيل "الحويلا" و"بصمورة" (ص41)، فلا نعرف أين تقع هذه القرى، وحبذا لو أنه فصّل في الموضوع كما فعل عند ذكره لأسماء قرى أخرى في الصفحة ذاتها أو في (ص42) كتوثيقه: "قرية العامود- جبلة"، وهلم جرى.
يجتهد الباحث في ذكر عدة شخصيات تحمل الاسم نفسه أو قريباً منه، وهذا جهد يحسب له ويشكر عليه إذ قدّم قيمة مضافة عن غيره ممن تناول الشخصيات العلوية المؤثرة في مجتمعها عبر التاريخ، وقد تكون تلك الشخصيات مزامنة لبعضها كأبي الطيب المتنبي (الشاعر المعروف) وأبي الطيب المنشد (ص 21)، وكالشيخ أحمد البدوي (ص 36) لكن يلاحظ أن الكاتب لا يذكر الفرق بين الشخصيتين كما فعل خلال تفريقه بين شخصيتي المتنبي الشاعر والمتنبي المنشد، ولم يقم بتقديم معلومات وافية عن آثارهما (أي أحمد البدوي)، والأمر ذاته عند ذكره للشخصيات التي حملت اسم حسن رمضان (ص101 و102)، والقاضي التنوخي (ص204 و205)، وشمس الدين الحموي (ص147) رغم تمييزه بين ثلاث شخصيات حملت الاسم ذاته، وشبيه ماذكرناه نلمسه عند تطرقه للشيخ محمد الدرويش (ص251 و252).. الخ، وحقيقة كنتُ أتمنى أن يكون التدقيق أكثر إسهاباً عند حديث الباحث عن الشيخ محمد الدرويش (فتاح نصار) مرافق الشيخ خليل نميلة (ص251)، فهو يذكر أنه كان معاصراً للشيوخ سلمان بيصين، ومحمود بعمرة، وعلي بدرة (القاضي)، وحسين الأحمد، وذكره لمعاصرة الدرويش لحسين الأحمد والنميلي في الوقت ذاته يدفعنا للتساؤل: هل كان الشيخ حسين الأحمد معاصراً للشيخ خليل نميلة فعلاً، أم أن الشيخ الدرويش عاصر كلا الشيخين في فترتين زمنيتين مختلفتين ومتقاربتين في آن؟ وبخصوص نقص المعلومات عند حديث الباحث عن بعض الشخصيات، نلمس ذلك عند ذكره للشيخ أحمد بن داؤود الرقي، فلا يذكر أين مقامه، ولا من أين أصله (سوى ما تشير إليه نسبة الرقي، أي إلى الرقة)، ولا في أي عام وجد؟ وهل هو معاصر للشيخ أحمد الجزري الرقي الأيوبي أم لا؟ والأمر نفسه عند حديثه عن أبي ذر الحموي ص24، والشيء الوحيد الذي يشير الى قدمه -قدم أبي ذر الحموي- هو تخميس أحد أبناء أبي شعبة الحراني لقصيدة له، وأبناء أبي شعبة الحراني نبغوا في القرن العاشر الميلادي. وبخصوص نقص المعلومات يمكن ان نشير الى ذلك عند ذكره لمعروف بن جمر (ص118) المعاصر للمقدم سعد بن دبل (حامل البلدة المعروفة باسمه في محافظة طرطوس "الشيخ سعد")، لاسيما ان أدبيات الإسماعيلية النزارية تعتبره اسماعيلياً (في لقاء شاهدته عبر اليوتيوب، مصادفة منذ بضعة أشهر، مع الدكتور زهير سالم، يذكر فيه معروف بن جمر وكلته الموجودة في حلب، وان لم تخني الذاكرة يقول ان ذكره مر معه في إحدى كتب المؤرخين الإسلاميين).
كان الكاتب موفقاً جداً في تدقيقه عن ضريح الشيخ سليمان- بالغرباء (ويذكر شخصين بهذا الاسم- ص120 و121) والثاني منهما يعتبره البعض خطأ أنه لأبي الهدى الصيادي (كما تشير الرخامة المثبتة أعلى مقامه في مقبرة الغرباء بطرابلس الشام) وهو من آواخر مفتي السلطنة العثمانية، والحقيقة -كما يذكر الباحث- أن أبا الهدى الصيادي توفى في إسطنبول عام 1909م، ونضيف أنه دفن في مقبرة بشكطاش ثم نقلت رفاته عام 1937م الى حلب حيث دفن في الزاوية الصيادية بجوار أبيه.
عند حديث الكاتب عن بني العريض الغسانيين (ص153) ثمة خطأ بتسمية يثرب بالمدينة المنورة قبل أن تسمى بهذا الاسم بأكثر من قرنين، وفي هذا السياق يسجل للباحث الإضافة التي قدمها عندما نقل عن المؤرخ ابن الأثير الذي ذكر ابن العريض الغساني (ص157).
ثمة خلل نلاحظه عند حديثه عن الشيخ محمد عمار- حلبكو (ص253) واختلاف في نسبه بين ما هو وارد في المتن وما يورده الكاتب في الهامش عن نسب أحد اجداد محمد عمار دون ذكره لمصدره.
عند حديث الكاتب عن الشيخ معلا- مجدلون (ص256) وهو من أعلام القرن السادس عشر الميلادي، يذكر اسم الشيخ فرج وصداقته للشيخ معلا الى درجة ان الشيخ معلا دفن معه في القبة ذاتها، واللافت ان أن الشيخ فرج أتى من قرية عربين، لكن لم يتم التأكد من أي عربين؟ هل هي عربين غوطة دمشق؟ وهل توجد قرية أخرى تحمل الاسم ذاته؟ لاندري.
يوثّق الباحث عدد المجازر التي قام بها مصطفى بربر آغا (ص258) مطلع القرن التاسع عشر ضد العلويين، ويصحح الخطأ الذي وقع فيه المؤرخ الياس صدقة- الطرابلسي عند ذكره لاسم والد مصطفى بربر..
أكتفي بما ورد ذكره أعلاه، وملاحظاتي أيّاً كانت لا تقلل من أهمية الكتاب ولا من قيمة الجهد المبذول في هذا البحث، وعلى مدى 316 صفحة من الحجم المتوسط، فبورك الكاتب وبورك جهده الذي سدّ ثغرات في تاريخ العلويين المسلمين.