كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

في الزنزانة الرابعة والخمسين

د. جهاد نعيسة

كان ذلك في العام الثاني والثمانين والتسعمئة بعد الألف، في الزنزانة الرابعة والخمسين، في الجهة الجنوبية من قبو فرعِ التحقيق العسكري بدمشق.
لم أعد أذكر بدقة تلك المدة التي قضيتُها في الزنزانةٍ الإفرادية، في شروط يعرفها كل من زار وعاش في زنازين فرع التحقيق العسكري بدمشق، حيث العتمةُ المطلقة، وضلالُ الجهاتٍ.. ولا شمسً.. لا شمسً أبداً، لا في زنازين فرع التحقيق العسكري ولا في مهاجِعِهٍ. وعلى الرغم من أن انتقالي كان إلى زنزانة مزدوجة مخصصة لشخصين فقط، فقد تمَّ تكديسنا فيها عشرةَ رفاقّ، في شرطٍ الزنزانة الإفرادية نفسه، خلا ذلك التكديسِ العَشْرٍي الذي لم يكن متوقعاً من أحدٍ منا.
عشرةُ رفاقٍ بوجوهٍ شاحبةٍ وقاماتٍ هزيلةٍ.. وقلوبٍ شجاعة وضمائرَ نابضة بحياة تتأجج كل يوم يستحيلُ كسرُها أو انكسارُها.
لم أكن أعرفُ من رفاقي العشرةِ سوى الرفيقِ والصديق "جابر ديب"، وحين التقينا وتعانقنا، أغرقنا في ضَحِكٍ مديدٍ طليق، يذري بكل أقانيم الظلمة والظلم وسجونهما في العالم.
وأتذكرُ الآنً بقيةَ الرفاقٍ بمزيد من الحنين والحرقة، فقد فقدنا معظمهم:
الرفيق "علي الشمالي" - ألف رحمة- من محافظة "القنيطرة"، عميدٌ في الجيش، كان لا يزالُ على رأس عمله، يحتلُّ موقعاً عسكرياً فاعلاً، وكانوا يستعدون لترقيته. وهذا ما أثار جنونَ جلاديه؛ الذين يجهلون كل ما يتصل بالضمير الإنساني ووفائهٍ لقيمه، مهما كانت النتائج؛ إذ كيف لمن هو في رتبته وموقعه أن يضربَ عرضَ الحائطِ بكل المكاسبِ المستحقة لأمثاله، فينتهي إلى زنزانةٍ لا تعرف الشمسَ أوالهواءَ في قبوِ فرعٍ التحقيق العسكري...؟!
هكذا لحق رفيقَنا "علي الشمالي" من فنون التعذيب الوحشية انتقاماً مسعوراً لم يلحقْ مثيلُهُ بأحدٍ آخرَ منا.
الرفيق "إبراهيم عبود" -ألف رحمة- (عقيدٌ مُسَرّح) من "ضهر صفرا" - من أقرب الشخصيات التي عرفتُها في حياتي إلى النفس. تواضعٌ جَمٌّ، وطاقة لا تنضب من الحب والالتزام وسداد الطريق والرؤية.
الرفيق "منير العلي" -ألف رحمة- ضابطٌ مُسَرّح أيضاً برتبة مٌقًدّمّ على الأرجح، شقيقه عديلُ حافظ الأسد أي هو زوجَ شقيقةِ السيدة الأولى "أنيسة مخلوف"...
كان بمقدور رفيقنا "منير العلي" أن يستثمر قرابَتَهُ بالأسد؛ فينالَ حريتَه منذ سنة سجنِهِ الأولى... لكنه لم يفعلْ ولم يفكر أن يفعل. وبقي كما الآخرين تسعةَ أعوام من السجن العرفي التعسفي بعيداً عن عائلته وأبنائه الذين كانوا كما كل الرفاق المتزوجين في أمَسِّ الحاجةِ إلى آبائِهم.
الرفيق "أزدشير حيدر" من مدينة حمص - أطال الله في عمره- ضابطٌ مُسرَّح أيضاً، برتبة مقدّم، على الأرجح.
التزامٌ وصلابةٌ ويقينٌ لا يتزعزع بعدالة القضية التي ُُسُجِنً من أجلها.
الرفيق "حبش العلّاج" - ألف رحمة- من مدينة الرقَّة، فلّاحٌ نموذجي من أصلٍ بدوي، خبِرَ الأرضَ وقضيةَ العمل والعدالة فيها، كما لم يخبرها سجينٌ آخر من رفاق سجننا... التزامٌ نضاليٌّ عميق لم يعرف الحدود يوماً.
الرفيق "محمد عيسى" من قرية "الهنّادي" في محافظة اللاذقية، شابٌ في أول شبابه...
نموذجٌ آخر من الرفاق شديدي الالتزام، على الرغم من أنه ترك وضعاً عائلياً قلقاً ماديا، وحبيبةً أمضت تسعةَ أعوامٍ في انتظاره.. تزوجها بعد نيله حريته.. ولا يزال يكافح من أجل لقمة عيشه وعيش أبنائه، دون أن يكفَّ يوماً عن الالتزام بقضية الوطن وخبزهِ وحريته.
الرفيق "هيثم قطريب" من مدينة السلمية.. طيرٌنا المُغَرّدُ دائماً؛ يحمل عوده وموسيقاه وصوتَه وقلبه النظيف الطفل ويَُغَنّي. من أجل حرية الوطن وحرية الإنسان فيه. لم يَكتفِ الطغاةُ بسجنه تسعةَ أعوامٍ فلاحقوه بسجنٍ متكررّ مع التعذيب الشديد، بعد نيله الحرية، مما ألجأه إلى الهجرة والاستقرار في "سويسرا" يعانق في موسيقاه وغنائه دوماً، قضيةَ وطنٍ يستحق الحياة.
رفاقي التسعة الذين كنتُ عاشِرَهُم، مَن غادرنا منهم، ومن لا يزال حياً يُرزق أطال الله في عمره... واحداً واحداً، كيف لي أن أنساكم يوماً، وقد تعلمتٌ بينكم ومعكم، معنى الانتماءِ للقضايا العادلة، ومعنى صلابةِ اليقين وسَداده. وتعلمتُ أيضاً، كيف يمكن لزنزانةٍ ثنائية مُغَيَّبةّ في أكثر أقبية دمشق عتمةً ووحشة، زنزانةٍ ثنائية في شرطٍ غير إنساني، لم تعرف الشمسَ يوماً، أن تستحيلَ برداً وسلاماً ودفئاً رفاقياً والتزاماً راسخاً، ليس يحيدُ أو يتراجع، بالإنسان والوطن وكلِّ القضايا العادلة في الحياة.
رفاقي الأحبة... من غادَرَ منكم ومن تَبَقّى ولم يُسْقِطِ الرايةَ لحظةً واحدة..
لَكَمْ أشتاقُكُم، ولكم يملؤني الحنينٌ إليكم واحداً واحداً، بل وإلى الزنزانة الرابعة والخمسين التي جمعتني بكم زمناً ليس يُنسى من العمر، فألفُ.. ألف تحية.
وبعد، فهل يعقل الأدعياءُ المزايدون، الذين لا يكلّون من السعي لتفتيتِ لُحمَةِ الوطنِ، ولحمة أبنائِهِ وقضاياه...؟