سلفادور اليندي 11/9/1973.. بابلو نيرودا 23/9/1973
2026.09.12
سنة 1970 رشّح الحزب الشيوعي الشيلي بابلو نيرودا للانتخابات الرئاسية وذهب أشواطا في حملته الانتخابية طيلة 5 أشهر، في الأثناء كلّلت المفاوضات من اجل توحيد اليسار بالنجاح وتم تكوين تحالف سياسي يساري تحت اسم "الوحدة الشعبية" ضمّ الحزبين الشيوعي والاشتراكي والحزب الراديكالي والحزب الديمقراطي الاجتماعي وحركة العمل الشعبي للوحدة (لاهوت التحرير) وتم الاتفاق على ترشيح سلفادور اليندي للانتخابات الرئاسية. سحب نيرودا ترشحه ورافق اليندي في حملته الانتخابية احيانا كشاعر يلقي القصائد واحيانا اخرى كخطيب سياسي لدعمه. وكان من نتائج هذا التحالف والتنازل فوزا تاريخيا لسلفادور اليندي في انتخابات 4 سبتمبر 1970، ليصبح أول رئيس اشتراكي يصل إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع في أمريكا اللاتينية. اثر الإعلان عن فوز اليندي ارسل له نيرودا هذه الرسالة:
"عزيزي سلفادور
لم أذهب لتهنئتك لأنني هنأت نفسي. أظن أن المؤامرة تحبطنا، وهذا يبرهن أن علينا أن نضرب بقوة، وقد حانت اللحظة.
سيكون علينا دعوة بعض المثقفين الأجانب عند تسلم السلطة، من أجل ذلك يسرني أن أتحدث معك، وأن أقدم لك قائمة بالأسماء المقترحة. لكن يجب أن يحدث ذلك الآن بإرسال دعوات أو ممثلين عنك. من جانبي، يمكنني أن أرسل تلغرافات.
يوم 18 سنأكل غزالًا ستجهزه ماتيلدي. لو أمكن وجئت بصحبة تينتشا سيكون رائعاً أن نحتفل بالنصر بأكل غزال كامل.
أعانقك بشدة.
بابلو".
لاحقا عيّن اليندي رفيقه نيرودا سفيرا لجمهورية الشيلي في باريس وهي الفترة التي حصل فيها على جائزة نوبل للآداب سنة 1971.
في الاثناء عبر المستشار القومي هنري كيسنجر عن الموقف الامريكي من سلفادور الندي والشيلي بقوله: "لا أفهم كيف نجلس جانباً، ونراقب دولة تسير في طريق الشيوعية، نتيجةً لعدم تحمل شعبها المسؤولية. المواضيع أكثر أهمية بالنسبة إلى الناخبين التشيليين من أن تُترك ليقرّروها بأنفسهم".
بدأت الولايات المتحدة بزعزعة استقرار حكم وحكومة سلفادور اليندي وصولا إلى الانقلاب العسكري يوم 11 سبتمبر 1973 وتكفلت بذلك وكالة المخابرات (CIA) واتخذ التدخل عدّة أشكال منها:
الضغط الاقتصادي: فرض حصار وحرب اقتصادية وقطع المساعدات وخفض الاستثمارات ومنع وصول القروض الدولية حيث أصدر الرئيس نيكسون أمرا للمخابرات بـ "جعل الاقتصاد الشيلي يصرخ" بهدف دفع الشعب والجيش للتمرد.
-تمويل الاحتجاجات: مثل تمويل إضرابات قطاع النقل وسائقي الشاحنات لشلّ حركة التجارة ووصول المواد الغذائية إلى مختلف المناطق وإثارة الفوضى الداخلية. وقد دفعت الولايات المتحدة 8 ملايين دولار لتخريب حكومة اليندي وتمويل الاحزاب اليمينية.
-الحملات الإعلامية والسياسية: من خلال تمويل وسائل إعلام معارضة لأليندي لنشر الدعاية المضادة وتأليب الرأي العام ضده وتحميله مسؤولية الاضطرابات، مثال دفعت وكالة الاستخبارات 1,5 مليون دولار لصحيفة الميركوريو لدعم حملتها ضد اليندي والتخويف من الشيوعية.
-بث الشائعات: زرعت الـ CIA معلومات مضللة داخل الأوساط العسكرية تدعي أن اليساريين يخططون لتصفية ضباط الجيش، لدفعهما إلى التحرك الاستباقي
-التنسيق العسكري والاستخباراتي: وذلك بجمع معلومات استخباراتية عن الضباط المعارضين لأليندي وتوفير الدعم المالي السخي لهم وتكثيف الاتصالات بالجهات التي خططت للانقلاب العسكري للإطاحة بالحكم الاشتراكي.
يوم 11 سبتمبر 1973 كان الانقلاب العسكري،
آخر الكلمات التي توجه بها سلفادور الندي الى شعب الشيلي عبر اذاعة سرية قبل دقائق من قصف القصر الجمهوري و رحيله.
أصدقائي
بالتأكيد ستكون هذه فرصتي الأخيرة للحديث معكم. فالقوات الجوية قصفت أبراج راديو بورتاليس وكوربوراسيون.
كلماتي هنا لن تحمل المرارة بل خيبة الأمل.. ليكن ذلك عقابا أخلاقيا لأولئك الذين خانوا قسمهم من جنود تشيلي، الأميرال مورينو، الذي نصب نفسه قائدا للبحرية، والسيد ميندوزا، الجنرال الحقير الذي تعهد بالأمس فقط بالإخلاص والوفاء للحكومة ثم نصب نفسه رئيسا للشرطة الوطنية.
بعد هذه المعطيات، لم يعد لدي شيئا أقوله للعمال سوى أنني لن أستسلم.
في هذا المنعطف التاريخي، سأدفع حياتي ثمنا لولائي للشعب. وأقول لهم أني على تمام الثقة أن البذور التي زرعناها في ضمائر الآلاف والآلاف من المواطنين التشيليين لن تذهب هباءًا.
هم لديهم القوة لحكمنا، ولكن الصيرورة الاجتماعية لا تُحكم بالجريمة أو القوة. التاريخ ملك لنا، والشعوب تصنع التاريخ.
عمال بلادي، أشكركم لولائكم، الثقة التي أودعتموها في شخص لم تكن إلا ترجمة لتطلعاتكم العظيمة نحو العدالة، وهذا الشخص أقسم على احترام الدستور والقانون، وها هو يفعل.
في هذه اللحظة الحاسمة، اللحظة الأخيرة التي سأتمكن فيها من التحدث معكم، آمل أن تكونوا قد استفدتم من الدرس، رأس المال الأجنبي والإمبريالية جنبا إلى جنب مهدا الطريق كي تحطم القوات المسلحة تقاليدها، التقاليد التي أرساها الجنرال شنايدر وأكدها القائد آرايا، ضحايا نفس الشريحة الاجتماعية التي تقبع الآن في منازلها آملة أنها، وبالمساعدات الأجنبية، تستعيد القدرة على مواصلة الدفاع عن مصالحها وامتيازاتها.
أتوجه قبل الجميع إلى المرأة البسيطة في أرضنا، العمال الذين خدمونا، للأم التي تعلم مدى اهتمامنا بأطفالنا، للمهنيين في تشيلي، المهنيين الوطنيين، هؤلاء الذين استمروا في العمل في الأيام الماضية ضد الفتنة التي ترعاها الفئات الطبقية التي تدافع عن الامتيازات التي يضمنها المجتمع الرأسمالي للأقلية.
أتوجه إلى الشباب الذين غنوا وقدموا لنا البهجة وروح النضال. أتوجه للرجال في تشيلي، العمال، الفلاحين، المثقفين، الذين سيتم اضطهادهم، لأن الفاشية بدأت تحل في بلادنا في الساعات الأخيرة عبر قيامها بهجمات إرهابية، تدمير للجسور، قطع للسكك الحديدية، تدمير لأنابيب البترول والغاز، وسط صمت أولئك الذين يحمونهم.. التاريخ سيحكم عليهم.
بالتأكيد سيتم إسكات راديو ماجالانس، ولن يصلكم صوتي بعد الآن. لا يهم. فسوف تسمعونه دائما. سأظل دائما بينكم.. على الأقل ذكراي ستظل كرجل حافظ على كرامته وولاءه للعمال.
الجماهير يجب أن تدافع عن أنفسها، لكن دون تضحية بحياتها. يجب ألا يعطوا أحدا الفرصة أن يدمرهم وألا يضعوا أنفسهم في مواجهة الرصاص، وكذلك لا يجب ألا يسمحوا بإذلالهم.
عمال بلادي، لدي إيمان بتشيلي وقدرها. وبقدرتها على تخطي تلك اللحظات المظلمة والمريرة التي تسودها الخيانة. تحركوا للأمام وأنت واعون أن عاجلا أو آجلا ستنُفتح آفاقا أرحب عندما يسعى رجال أحرار لبناء مجتمع أفضل.
عاشت تشيلي، عاش الشعب، عاش العمال.
هذه كلماتي الأخيرة، وأنا على يقين أن تضحيتي لن تذهب هباءًا، وأنها على الأقل ستكون درسا أخلاقيا يعاقب جريمة الجبن والخيانة.
رئيس تشيلي،11سبتمبر 1973
اما بابلو نيرودا فكان يستعد للخروج من الشيلي نحو المكسيك هربا من دكتاتورية الطغمة العسكرية بقيادة بينوشي وكان لزاما عليه ان يأخذ حقنة ضد سرطان البروستاتا قبل السفر وبمجرّد تناولها تعكّرت حالته الصحية ورحل يوم 23 سبتمبر 1973، ترجّح اغلب الأبحاث والتحاليل والتي كان آخرها يوم 15 فيفري 2023 انه مات مسموما . أنهى سيرته الذاتية "اشهد أنني قد عشت" (يمكن تحميل الكتاب)وهو على فراش المرض وختمها بتعليق على سقوط ورحيل رفيقه سلفادور اليندي بقوله "لقد عادوا ليخونوا الشيلي مرة أخرى" والذي اصبح شعارا سياسيا للمقاومة ضد الدكتاتورية العسكرية.