كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

التنويري "أحمد لطفي السيد" الرجل الذي يعيش في المستقبل

يروي الصحفي المصري مصطفى أمين في مذكراته عن رجل كان يعيش فى المستقبل!
كان الزعيم سعد زغلول يحرص أن يتناول الغداء مع أفراد أسرته كل يوم، ماعدا يوم الاثنين! فقد كان يوم الاثنين هو إجازة دار الكتب وعطلة مديرها أحمد لطفي السيد. وكان لطفي السيد يذهب في صباح ذلك اليوم من كل أسبوع إلى بيت سعد ويستقبله فى الطابق العلوي، ويمضى معه النهار كله ويتناول معه الغداء.
وكان لطفي السيد يحرص على هذا الموعد، وذات يوم لم يحضر وأرسل مع ابنه شهادة من الدكتور علي إبراهيم باشا الجراح المشهور أنه مريض وملازم الفراش!
ولم يحضر أحد هذا الحديث الأسبوعى، ولو كان اخترع التسجيل فى تلك الأيام لاستطعنا الحصول على أشرطة ممتعة لمناقشات وحوار فى الأدب والسياسة والمنطق واللغة..
وقد كانت ميزة لطفي السيد عند سعد زغلول أنه (رجل يعيش فى المستقبل...).
وفى مذكرات سعد زغلول فى عام ١٩٢٥ أن لطفي السيد أعطاه كتب لينين ليقرأها، وقد انقطع سعد عدة أيام ليقرأ هذه الكتب باللغة الفرنسية، لأنها لم تكن طبعت بعد باللغة العربية.
ودفع لطفي السيد ثمنًا غاليًا لأنه رفض دائمًا أن يعيش فى الحاضر أو في الماضي: وفى أوائل هذا القرن أصدر جريدة «الجريدة» وكانت شيئًا جديدًا فى صحافة تلك الأيام. وفوجئ القراء بدعوة غريبة هى أن "مصر للمصريين"!
وكانت الوطنية يومئذ أن مصر ولاية عثمانية تابعة لسلطان تركيا! ولكن لطفي السيد رفض هذا الرأى، وقال إنه يرفض حكم الإنجليز وحكم الأتراك معًا، وإن مصر للمصريين. ويومها اتهمته صحف الحزب الوطنى بالخيانة لأن الزعيم مصطفى كامل كان يؤمن بأن علاقة مصر وتركيا إلى الأبد هى «علاقة التابع بالمتبوع»!
وبقى لطفي السيد مصرًا على رأيه رغم اللعنات التى انصبّت عليه، والاتهامات التى وجهت إليه، وكان أغربها أن لطفي السيد "إنجليزى" لأنه يطالب بأن تكون مصر للمصريين لا للأتراك!
وعندما أصدر قاسم أمين كتابه عن تحرير المرأة قاطعه الناس، وحرّم الكبراء عليه دخول بيوتهم، وأفتى بعض العلماء أنه خرج عن الإسلام، وكان لطفي السيد من القلائل الذين وقفوا إلى جانب قاسم أمين. وقال لطفي السيد يومها إنه لن تمر على مصر أكثر من خمسين عامًا إلّا وتكون المرأة المصرية وزيرة!
وسمع الخديوي عباس بهذا الرأى فقال: إن لطفي السيد قد جن وإنه يحسن وضعه فى السراي الصفراء. والسراي الصفراء هو الاسم الذى كان يطلق على مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية!
وقبل أن تمضى خمسون عامًا على هذا الحديث كانت المرأة المصرية وزيرة للشئون الاجتماعية! ودعا لطفي السيد إلى الديمقراطية ولعن حكم الفرد. ثم جاءت انتخابات الجمعية التشزيعية، ورشح نفسه فى بلده حيث أسرته وعزوته، وتقدم للترشيح ضده رجل لا يقرأ ولا يكتب.
وتوقع الناس أن يهزم الفيلسوف الكبير وأستاذ الجيل ومترجم أرسطو ذلك المنافس الجاهل!
وإذا بهذا المنافس الجاهل يثبت أنه أستاذ فى علم الانتخابات، فقد طاف على الناخبين يقول لهم: إن لطفى السيد رجل يؤمن بالديمقراطية، ومعنى الديمقراطية أن تتساوى المرأة مع الرجل فتتزوج المرأة أربعة رجال كما يتزوج الرجل أربع نساء! وصدق الناخبون السذج هذه الأكذوبة وأرسلوا وفدًا لمقابلة لطفى السيد، وسألوا: هل صحيح إنك ديمقراطى؟ وقال لطفى السيد: نعم! ولى الشرف!
وخرج الوفد يضرب كفا على كف وذهب وانتخب خصم لطفى السيد الذى لا يقرأ ولا يكتب، وهكذا سقط أكبر أديب وفيلسوف فى مصر فى الانتخابات.
جرت هذه الانتخابات فى سنة ١٩١٢ وبعدها أقسم أن لا يرشح نفسه فى أى انتخابات بعد ذلك، وبذلت معه محاولات جبارة من أصدق أصدقائه حتى يعدل عن رأيه، ولكنه أصر أن لا يتقدم للترشيح، وإن كان قبل أن يعين عضوًا فى
مجلس الشيوخ.
قلت له مرة: إن التاريخ سوف يذكر لك أنك من أوائل الذين طالبوا بالدستور، وأنك من أوائل الذين طالبوا بوقف الدستور ثلاث سنوات قابلة للتجديد.
قال: صاحب الفضل الأول فى الدستور هو أحمد عرابى.
فالدستور المصرى من عمله ومن صنع يده ومن آثار جرأته، طلبٍ عرابى كزعيم أمة لا كقائد عسكرى، كان فى هذا الطلب وكيلا عن الأمة لا ثائرًا على العرش. وكلته الأمة على ذلك. عريضة طلب الدستور، كان موقعًا عليها من وجهاء الأمة ومشايخها وكبار أصحاب الرأى فيها! وأنا آخذ على عرابى أنه خرج على الخديوى، فى غير مصلحة عامة للأمة، وفى عدم تقديره حالة مصر العسكرية تقديرًا صحيحًا، وفى جهله بالمقارنة بين قوته الحربية الضعيفة وبين قوة إنجلترا الجبارة.
فهو مسئول عن هزيمة مصر العسكرية واحتلال الجيش البريطانى لمصر، ولكنه ليس وحده المسئول، فإن أعضاء مجلس النواب بالإجماع أيدوه فى إعلان الحرب، ومجلس الوزراء حرضه بالإجماع على الحرب، ولا أعرف مصريًا واحدًا اعترض يومها على دخول الحرب، أو حاول أن يبصر عرابى بحقيقة الموقف العسكرى، ولو كان عرابى متعلما لعرف حقيقة الحالة العالمية وقتئذٍ وتنبه أن الدول العظمى ستؤيدنا بالكلام وتتخلى عنا عندما جاء وقت العمل. وقد عامل الشعب المصري عرابى أسوأ معاملة، فاستقبله بعد عودته من المنفى استقبالا سيئا، ووصمه بالخيانة. ولم يكن عرابى خائنًا، إنما كان رجلًا وطنيًا أخطأ فى الحساب. وعاش بقية حياته منبوذًا من المصريين الذين أراد أن يحررهم، ودفع ثمنًا غاليًا من أجل أن تكون بلاده حرة وسكانها أحرارًا!
وقد ماتت زوجته وهى سيدة صغيرة فلم يتزوج بعدها، مع أن كثيرات من السيدات المثقفات من مصريات وأجنبيات كن يتمنين مشاركة لطفى السيد حياته العظيمة. ولكن قلبه سقط صريع الحب. فقد أحب الكاتبة المعروفة مى زيادة، وتبادل معها خطابات غرامية حادة ووقعت هذه الخطابات فى يد دار الهلال وكان علي أمين رئيسًا لمجلس إدارتها، وأوفد الأستاذ طاهر الطناحى يستأذنه فى نشر هذه الخطابات، فثار وغضب وقال إنه بلغ حوالى التسعين من العمر وتصويره فى صورة العاشق لا يتفق مع الجلال والوقار. وذهب على أمين إلى نادي محمد علي، وكان لطفي السيد يجلس مع الدكتور بهي الدين بركات الوصي السابق على العرش والدكتور عبد الحميد بدوي باشا القاضي بمحكمة العدل الدولية.
وانضم القطبان إلى علي أمين فى ضرورة النشر، ورضخ لطفى السيد لقرار الأغلبية ونشرت الخطابات الغرامية التى كانت قطعة من الأدب والغزل فأحدثت ضجة كبيرة فى هذه الأيام.
وأذكر أن لطفي السيد كان قبل ذلك مديرًا للجامعة. وجاءنى وكيل البريد فى أحد الأقاليم، وقال لى: إن لطفي السيد رفث طالبًا في ليسانس كلية الآداب لأنه كتب خطابًا غراميا لطالبة فى الكلية، وقد أصبحت الآن من أكبر المربيات فى مصر، فما كان من الطالبة الجميلة إلّا أن أعطت شقيقها الأستاذ فى إحدى كليات الجامعة الخطاب الغرامى الذى حمله إلى مدير الجامعة لطفي السيد، وطالب بفصل الطالب العاشق، وأصدر لطفي السيد على الفور قرارًا بفصل الطالب العاشق من الجامعة وحرمانه من جميع الامتحانات. وزارني والد الطالب المفصول وقال لى إنه أب لسبع أولاد، وسيحال إلى المعاش بعد شهور، ومعاشه لن يكفيه هو وأولاده للحياة، وكان اعتمادهم أن يتخرج الطالب العاشق هذا العام ويستطيع بمرتبه البسيط أن يضمه إلى معاش وكيل البريد الضئيل لإطعام الأولاد السبعة. وكنت رئيسًا لتحرير مجلة آخر ساعة وتحمست للأب المنكوب وذهبت إلى الأستاذ شقيق الطالبة أحاول إقناعه بالعفو عن الطالب الصغير، فرفض بشدة وطردني خارج الشقة. وذهبت إلى مكتب مدير الجامعة وقلت للطفي السيد: لماذا فصلت هذا الطالب؟
قال لطفي السيد: لأنه كتب خطابًا غراميا! قلت: ولكنك فى شبابك كتبت عدة خطابات غرامية للآنسة مى زيادة! قال: لأن مى تسلمت الخطابات ولم تشكوني لأبيها! فلا ذنب على العاشق إذا كتب رسالة غرامية وتقبلتها المرسل إليها، ولكن الأمر يتحول إلى جريمة عندما تتلقّى المرأة خطاب غرام من رجل لا تريده!
وأصر لطفي السيد على طرد العاشق من بكالوريوس الآداب.
والغريب أن الطالبة الجميلة لم تتزوج حتى الآن رغم مرور خمسين عامًا!
وكان يحدث أن نجتمع بلطفي السيد وهو فى أواخر الثمانين من عمره، وكنا فى مطلع شبابنا، وكان يتصادف أن يضم المجلس آنسات فى التاسعة عشرة والعشرين والواحد والعشرين.. وإذا بالعجوز الفيلسوف يستطيع بحديثه
العذب الساحر أن يخطف منا الشابات الفاتنات، ويتركننا ليلتففن حول لطفي السيد. ونقترب منه فإذا به يحدثهن عن آخر أنباء الموضة والابتكارات الحديثة فى الروائح العطرية والرقصات الجديدة وآخر صيحة فى الأغانى الحديثة.
كان لطفي السيد أكثرنا شبابًا وحيوية وحركة، وكنا نشعر أنه أنشطنا، وأنه أقرب منا إلى عقلية الفتيات اللاتى يتحدث إليهن!
قلت له مرة ضاحكًا: إذا كنت تسبقنا وأنت فى التسعين من عمرك، فماذا كنت ستفعل بنا لو كنت فى العشرين؟ وابتسم لطفى السيد متواضعًا وقال وهو يهز عصاء على الأرض: كنت أتمهل... لأننى أعرف أن فى العمر بقية. أما الآن فيجب أن أسرع لأن الوقت ليس حليفي!
وجلسنا يومًا نندب حال كلية الحقوق فى هذه الأيام، فروى لطفي أنه عندما دخل مدرسة الحقوق كانت مدة الدراسة فيها خمس سنين، وكانوا يدرسون فى سنيها الأولى النحو والصرف وعلوم البلاغة، ويدرسون بعد ذلك علم المنطق وأداب الحديث والبحث والمناظرة والمناقشة وعلم الأصول وشيئا من تفسير القرآن واللغة الفرنسية.. بل وتحسين الخط الفرنسى. وكانت مدة الدراسة فى اليوم الواحد ست ساعات، ثلاثًا قبل الظهر وثلاثًا بعده.. وكان التلاميذ يجتمعون فى فناء المدرسة على هيئة طابور قبل دخول الفصول.. وكان عدد جميع الطلبة فى السنوات الخمس ٧٥ طالبا. وكانت الفرقة التى تخرجت قبلهم بسنة لا يزيد عدد طلبتها على خمسة من الطلبة.
وكانت دفعة أحمد لطفى السيد ١١ طالبًا فقط. وكان ناظر المدرسة ينام فى المدرسة. وهكذا كان الأستاذ يعرف كل طالب. فكانت جامعة بنفس المعنى. أما الآن فوجود ألوف الطلبة فى قاعة واحدة مع مدرس يحولهم إلى مظاهرة لا إلى درس جامعى!
وعندما كان لطفي السيد يلتقى بطالبة مشاكسة من طلبة الجامعة كان يقول لها ضاحكًا : لا تجعليني أندم لأننى أدخلت الفتيات إلى الجامعة المصرية! فقد أدخلت الفتاة المصرية فى غفلة من الحكومة. اتفقت مع الدكتور طه حسين عميد كلية الآداب والدكتور على إبراهيم عميد كلية الطب والدكتور كامل مرسي عميد كلية الحقوق أن تدخل الطالبة المصرية فى الكليات فى السر، بغير ضجة ولا إعلان ولم يتنبه الشعب إلى أن الفتاة المصرية دخلت الجامعة المصرية إلّا بعد ١١ سنة، وقامت الدنيا على قدم وساق، وأرسل الأمير محمد على توفيق والأمير عمر طوسون خطابات عنيفة يحتجان فيها على دخول المرأة المصرية الجامعة! وقال الأمير محمد علي: أخشى أن يحدث انفجار فى البلد بعد أسبوعين من دخول المرأة المصرية الجامعة. قال أحمد لطفي السيد: إننا أدخلنا الفتاة المصرية إلى الجامعة منذ ١١ سنة، فإذا كانت القنبلة ستنفجر لكانت انفجرت بعد سنة أو سنتين أو عشر سنين!
كنت تدخل مكتب لطفي السيد فتجده علق على جدرانه صور أربعة رجال: سعد زغلول، جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، وعيد العزيز فهمي باشا. وكان يقول هؤلاء أعظم أربعة قابلتهم فى حياتي.
وكان يروي عن جمال الدين الأفغانى أنه لأول مرة رآه فى الاستانة فى صيف سنة ١٨٨٣ بعد عام واحد من الاحتلال البريطانى. كان يمر بإحدى القهاوي فرأى فيها صديقه سعد زغلول القاضي بالاستئناف، وقال له: إنه حضر إلى تركيا ليقابل أستاذه جمال الدين الأفغانى، ودعاه ليصحبه إلى الزيارة، وقال لى يصف هذا اللقاء:
«كان سعد يعامل جمال الدين كشيخه وأستاذه، وكان جمال الدين يعامل سعد زغلول كتلميذه المخلص الذى يتوقع له مستقبلا عظيما، وكان معنا فى هذا اللقاء حفني ناصف بك العالم فى اللغة العربية، والشيخ علي يوسف صاحب جريدة المؤيد التى كانت واسعة الانتشار.
كان جمال الدين من أعظم الشخصيات التى قابلتها فى حياتى كان قوي الشخصية. حاضر البديهة. له سخرية جبارة. ممتلئ البنية. أبيض اللون. أسود العينين. مسترسل الشعر. يلبس على رأسه عمامة كبيرة يحيطها شال أبيض غليظ. وكان يرتدى بنطلونا.
وكان مهيب الطلعة. فيه جاذبية عجيبة. الكلمات تخرج من فمه كالمدفع الرشاش. كل رصاصة تصيب فى المليان. كانت قذائفه فى كل اتجاه. تصيب الهند مرة، وتصيب مصر مرة، وتصيب إنجلترا مرات. بل كانت تصيب حكومة العثمانيين التى استضافته بعد أن طاردته أغلب بلاد العالم!
وكان يعتقد أن عظمة الغرب أنه اخترع الكهرباء والبخار، وأنه يجب على الشرق أن يخترع شيئا ويضيف إلى المدنية اختراعًا جديدًا! ولم يعش جمال الدين حتى يرى الغرب يخترع الذرة والقنيلة الهيدروجينية، وبقينا نحن نخترع الخلافات والانقسامات والاتهامات!
وكان الشيخ جمال الدين الأفغانى يؤكد لنا أن الشعب المصرى سيقوم بثورة. وكان يتمنى أن يقود هذه الثورة بعض تلاميذه.. وتحققت هذه النبوءة، فقد كان أحمد عرابى أحد تلاميذه ومصطفى كامل وسعد زغلول! والرجل الثانى الذى أثر فى حياتي هو الشيخ محمد عبده، وكان يمتحنني فى مدرسة الحقوق، وكنت أحضر دروسه فى التفسير فى جامعة عابدين، وجمعنا بعد ذلك مجلس جمال الدين الأفغانى، كان رجلا حكيمًا وشجاعًا. وقلما اجتمعت الحكمة مع الإقدام.
وكان صامدًا لا يتزحزح. عادلا لا يميل مع الهوى. يحكم على نفسه قبل أن يحكم على الناس. كان يفسر القرآن بعقلية المستقبل لا بعقلية الماضى. وكان يحارب الخرافات ولا يهمه إذا رضي الرأي العام أم غضب. إذا اتهمه الجهلاء بالكفر أو حملوه فوق الأعناق. وكان يؤمن بأن مستقبل الشرق فى العلم لا فى الشعر. ولم يكن يقتنع برأي إلا بعد دراسة وتمحيص. وأعتقد أن سعد زغلول تأثر بجمال الدين ومحمد عبده معًا، وهما أستاذاه الحقيقيان!
يرفض أن يكون رئيسًا للجمهورية:
قبل الثورة بأيام قابلته فى فندق سيسيل بالاسكندرية، وكان البلد يعيش فى أزمة وزارية. وزارة تؤلف ووزارة تستقيل. فسألته ما هو الحل؟ قال لطفى السيد: العساكر! وظهرت على وجهى الدهشة أن أسمع هذا الكلام من أحد رواد الديمقراطية فى مصر، ولاحظ دهشتي وقال: نعم العساكر.. لمدة سنة أو سنتين، وبعد ذلك نتوب ونعود إلى الديمقراطية ونمارسها ونعتنقها! وفي سنة ١٩٥٤ قال لى الرئيس جمال عبد الناصر إنه أوفد الصاغ لطفي واكد أحد الضباط الأحرار إلى قريبه لطفي السيد يعرض عليه ترشيحه لرياسة الجمهورية، وأن لطفي السيد رفض، وأن عبد الناصر يعرف صداقتي للطفي السيد ويعتقد أننى سأقتعه بقبول هذا المنصب الكبير وذهبت إلى لطفي السيد فى منزله بمصر الجديدة وناقشته طويلاً فى رفضه، وقال لى: هذه الثورة قام بها عساكر ويجب أن يكون رئيس الجمهورية عسكرى، ومادام عبد الناصر قاد الثورة فيجب أن يرأسها، ولست أقبل أن أكون طرطورًا يجلس فى رياسة الجمهورية!
قلت: أنا أعرف أنك سترفض أن تكون طرطورًا..
قال: وعندئذ سيضعونني فى السجن! إنني أفضل أن أبقى جالسًا على الكرسى الذى أجلس عليه الآن فى مكتبي بالمجمع اللغوي!
نحن أحسن من آبائنا!
وكان عندما يلتقي بى يقول: أنت أحسن من أبيك، وأبوك أحسن من جدك! إننى أعرف جدك جيدًا وكثيرًا ما كنت ألتقى به عند الشيخ محمد عبده، وأعرف والدك وكنت ألقاه عند سعد زغلول. فأنا أومن أن جيلكم أحسن من جيل آبائكم، وجيل آبائكم خير من جيل أجدادكم.
أنا عشت أكثر من تسعين سنة، وأقول لك إن جيل القرن العشرين أحسن من جيل القرن التاسع عشر، وجيل القرن التاسع عشر أحسن من جيل القرن الثامن عشر. ولا تصدقوا من يقولون لكم إن الأخلاق قد انحطت فى الحاضر عما كانت عليه فى الماضى.
وإن الفساد قد زاد الآن أكثر مما كان من خمسين سنة! إن كل ما حدث أن عدد السكان زاد، فزاد عدد الناس الطيبين وزاد عدد الناس الفاسدين.
ولكن نسبة الفساد فى الماضي أكثر كثيرا من نسبة الفساد فى الحاضر! لو راجعت إحصائية الجرائم والجنايات لوجدت أن النسبة فيها زادت أقل مما زاد عدد السكان! إذا كانت الإباحية زادت عشرة فى المائة، فالفضيلة تضاعفت مرتين، وإذا كان الإلحاد زاد واحدًا فى المائة فإن الإيمان وصل إلى ٩٩ فى المائة!
وكان يؤمن بالتطور والتقدم. وكان يرى أن الفرامل التى توضع فى طريق انطلاق الشباب هى فرامل مؤقتة. وكان يفخر أن أعظم أعماله هو إدخال البنت إلى الجامعة!
وفى شهر فبراير سنة ١٩٦٣ ذهبت لأعوده فى بيته فى مصر الجديدة، فاستدعانى إلى لقائه فى غرفة نومه، وكان معه فى الغرفة صديقه الدكتور بهي الدين بركات.
وكان راقدًا فى فراشه، وقد تدثر بغطاء ثقيل، وسألته عن شكواه. فقال باسما: أشكو من كل شىء! يظهر أننى عشت أكثر مما يجب، وأكثر مما أريد! وكان بجواره كتاب الأغانى..
وقال إنه يعيش فيه ويهرب إليه من الأمراض، وفى صفحاته ينسى أنه مريض. وسألته عن الكتب الجديدة فقال إنه انقطع عن قراءة الكتب الجديدة لأنها تتعبه، وإنه يكتفي بقراءة الجرائد اليومية. وسألته ماذا تقرأ فيها؟ قال أتصفح العنوانات الكبيرة!
وفى يوم ١ مارس استيقظ لطفى السيد فى الساعة السابعة صباحًا كعادته كل يوم وطلب من ممرضته قدرية أن تعد له الإفطار وأحضرت له فولاً مدمّسًا وكوبا من البرتقال!
وكان لطفي السيد يقول إنه اعتاد منذ صباه أن يأكل الفول المدمس كل صباح، ولم يغير هذه العادة أبدًا إلا عندما سافر إلى سويسرا ليتعلم، افتقد الفول المدمس، وحاول أن يستورده من مصر ففشل... وعند عودته إلى مصر كان أول شىء طلب أن يأكله القول المدمس! وكان يهزأ من الذين يقولون إن الفول المدمس «يتخن العقل» ويقول: لا أشعر بصفاء ذهنى أكثر مما أشعر به بعد أن آكل طبقا من الفول المدمس!
ويومها نام بعد الإفطار ثلاث ساعات، ثم أستيقظ وتناول غداءه وكان مكونًا من ربع فرخة وبطاطس بوريه وطبق مهلبية وفي الساعة الرابعة بعد الظهر أحس بصداع شديد واستدعى طبيبه الدكتور محمد توفيق طلعت وفحصه وطمأنه على صحته ونصحه بأن يأخذ قرصين من الأسبرين، وسأله لطفى السيد:
هل سأموت اليوم!؟
وقال الطبيب: لا... أنت بخير!
وطلب الصحف وتصفحها بسرعة ولم يستطع أن يكملها فألقاها على الأرض، وقال للممرضة: غريبة إن متعتى فى الحياة أن أمسك الصحف بيدى كأننى ألمس الدنيا.. ولا أشعر بهذه الرغبة اليوم!
وفى الساعة الثامنة مساء طلب عشاءه وكان طبقًا من شوربة الخضروات وطبقًا من المهلبية. وبعد ذلك نام. ونامت الممرضة على سرير فى الغرفة نفسها. واستيقظت الممرضة فى الساعة الرابعة والنصف صباحًا على صوت جسمه وهو يتحرك فى السرير المجاور، وقال لها بصوت ضعيف: أريد فنجانا من الشاى!
وعادت الممرضة بعد نصف ساعة فوجدته نائما.. اقتربت منه ووضعت يدها على جبهته فوجدتها باردة.. وأمسكت يده فلم تسمع نبضا… وضعت أذنها على قلبه وصرخت: مات! واندفعت إلى غرفة ابنه السيد لطفى السيد الذى يقيم معه فى المنزل نفسه وأيقظته من النوم وأخبرته أن والده قد أسلم الروح وكان الدكتور سليمان عزمي باشا هو طبيبه الخاص، وفى آخر زيارة له قال له لطفي السيد وهو يهنئه بالعام الجديد سنه 1963:
- أنا أشعر أنني سأموت فى هذا العام!
قال سليمان عزمي: يا رجل! إن صحتك أحسن من صحتي!
وبعد أسابيع قليلة أصيب الدكتور سليمان عزمي باشا بالذبحة الصدرية وتوفى على الفور!
ومات لطفي السيد بعد ذلك بأسابيع!

وصدقت نبوءة الدكتور سليمان عندما قال للطفي السيد: «إن صحتك أحسن من صحتي..!.

في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"
حسن الخير: "لوركا العرب" الذي قطّعوا لسانه فخلدت كلمته
الأديب السوري مفيد أحمد يحصد المركز الأول في جائزة «وولت ويتمان» الدولية بقصة تجسد جراح الإنسان بعد الحرب
قول آخر في شخصية "آنا كارنينا" في الرواية التي تحمل اسمها للعظيم ليون تولستوي