رأس السنة
مالك صقور
كل عام وأنتم بخير
زاوية "رأس السنة" نُشرت في جريدة تشرين بتاريخ 1/1/1992.
مرةً أخرى يقول:
لسنة ترحل هذه اللحظة وداعاً!
لسنة تأتي هذه اللحظة سلاماً!
* * *
يطوي صفحةً سودتها الأيام، يفتحُ صفحة بيضاء. وعلى قارعة العمر يقف. يقف أم يحصي السنين الهاربة؟ يفردُ وريقات دفاتره للمطر، للريح، لصقيع الليل، ويتجه للنجم القطبي وللسنة المُحتضرة والقادمة من غير بوصلة.
الدهر يدور والعمر يدور، الدواليب تدور والرأس يدور.. وكأن الزمن يعود ولا يعود. وعقارب الوقت تزحف. عما قريب، ينتصفُ الليل، شمعته انتصفت أيضاً. والقادم الجديد سيقتحم خلوته.
الوقت خلف الباب
والسنة تعبرُ الثواني الأخيرة
* * *
برهة بين وقتين، وعمر بين موتين، وهو على قارعة العمر في هذه اللحظة، يودعُ أحزاناً، يطمسُ أوجاعاً، يُنشد أحلاماً، يرفعُ أنخاباً. ويدوّرُ الأحلام والأماني للسنة الجديدة.
* * *
على قارعة العمر يقف.. بين يديه دفاتر الأيام
* يفتحُ دفترَالشعر:
شاعرٌ يرنو للنجوم، شاعرٌ يهفو لجائزة نوبل.
شاعرٌ يبحثُ عن مطرح ٍ تحت الشمس.
وشاعرٌ يعيشُ على بقايا الموائد.
تكاثرَ الشعراءُ، واختفى الشعرُ الأصيل
يطوي صفحة الشعر..
* يفتحُ دفترَ الأصدقاء:
أين هم الأصدقاء؟ صديق سقط. وهاجرَ صديق. والثالث مات. والرابع هربَ إلى الأمام مثل الدجاجة. فجأةً اكتشف أن الخامس بوجهين. وصداقة الموائد لا خير فيها. وفي هذه الليلة، يسبحُ بعضهم في الويسكي الفاخر، وبعضهم يغرقُ في عرقِ "الكركي -البلدي" الرديء. ويبحثُ بعضهم عن لحاف من ورق التين. وبعضهم ينفردُ على موائد القمار يجرب حظه، بعضهم خلف البحار يتنشقُ أخبار الوطن من بعيد ولا يعود. بعضهم يضيع بين أكوام الكتب، بعضهم يغرقُ في مداد المحبرة، وبعضهم يتوه بين تفعيلات القصيدة.
لسنة تموتُ هذه اللحظة، وداعاً!
لسنة تولدُ هذه اللحظة، أهلاً!
والبرهة بين وقتين، والعمر بين موتين، والوقتُ خلف الباب، والسنة تعبرُ الثواني الأخيرة.
الكأسُ ترتعش، والساعةُ تقترب.
* يفتحُ دفترَ التاريخ:
- أخرجوا رؤوسكم من التاريخ، ولا تخرجوا التاريخ من رؤوسكم..
حمدان بن قرمط يلغي الملكية الخاصة – ويعلن الإشتراكية. أين القرامطة؟! ذكرى بهية، ورايات زاهية على أطراف الصحراء العربية.
- استمرت كومونة باريس 72 يوما.
- استمرت ثورة أوكتوبر 72 عاما. والباقي في ذمة التاريخ.
* يفتحُ دفتر الوطن:
لن يصير الدم ماء...
غزّة. القدس. الجولان. جنوب لبنان. يافا. حيفا. نابلس. خان يونس: يشدّون على الجراح بشرايين القلب. يعمدون الدرب بالدم. يرشقون الطغاة بالحجارة، والزجاجات الملتهبة، يقاومون بصدور وأيد عارية. ويكبسون الجرح بالملح.
* يفتحُ دفتر الأطفال:
بابا نويل في الغرب يهدي الألعاب والابتسامات، ويوزع الهدايا والقبلات.
شيخ الثلج في روسيا لن يظهر هذه الليلة.
وفي أنحاء متفرقة: أطفال ٌ تنسرق بسماتهم. ينسرق خبزهم. وغمازات خدودهم، وطفولتهم. وفي وحل المخيمات يغرقون، فيخطفُ لهم قوس قزح، ويشرعون بمزج الألوان بمهارة الفنانين.. ويرسمون بحراً وشراعاً أبيضَ، وجبلاً وزيتوناً وتيناً وسواقي مياه عذبة وبرتقالاُ، ومدرسة، ورغيفاً، وشمساً... وينامون..!
* يفتحُ دفتر العواصم:
في عاصمة كبيرة، ألغوا قرار العنصرية بالتصويت عن الصهيونية.. بتنا نخشى أن يحصلوا على صك بالبراءة من دم المسيح بالتصويت أيضاً.
- دقّت كنيسة القيامة نواقيسها حزناً وأعلنت الحداد.
- احتج المسجد الأقصى.
وفي عاصمة كبيرة أيضاً، أنزلوا علم العمال والفلاحين (المنجل والمطرقة) ورفعوا علم القياصرة.
والآن، حانات العواصم، منتجعات العواصم، ملاهي العواصم تكتظ وتزدحم.. في الساحات ترفع الزينات، وتُنصب أشجار الميلاد ورأس السنة.. ترصد أموال، تتبدد أموال، تُسفح دنان الشمبانيا والنبيذ الفرنسي، تجري انهار الخمور المعتقة، تقرع الطبول والصنوج، تنهمك الجوقات، ترتفع الموسيقى الصاخبة، تصدح الموسيقى الهادئة، تتلوى أجساد الراقصات، تتألق الأجساد سكراً. تنشق حناجر المطربين. تلعلع الألعاب النارية.. وتقترب الثانية قبل الأخيرة..
ويتعانق العقربان
يختفي ذيلُ السنة.. ينبقُ رأس السنة
ويصطخبُ العالم. يبتهج، تموج الدنيا فرحاً، طيشاً، سكْراً، تشتعلُ القبلات والتهاني، ويسكرُ الناس! كل الناس؟!
وحده مع شمعته يتأمل. وحده مع شمعته يتذكر:
عرزالاً من غير موقد. أكواخاً من غير حطب. قناديل من غير زيت. خياماً من غير شموع. أقداماً حافية من غير أحذية. صدوراً عارية وأيدي مشرعة تواجه جيوش الاحتلال والظلم من غير بنادق. يهرعُ إلى الخارج رغم الصقيع، يلقي نظرة إلى السماء: دربُ التبانة انحرف قليلاً. نجمة الصبح تتألق مشعةً من بعيد.
يردد: وإذا الليل عسعس، وإذا الصبح تنفس
يدرك: إن هذي الأرض المكورة، تدور دورتها السرمدية، لا تأبه لما يجري على ظهرها من حرب وسلم. من حب وبغض. من سكر وصحو. من فرح وكآبة. لا تهتمُ لسقوط امبراطوريات، ولا تنتبه لفرض نظام عالمي جديد. ولا تأبه لكل أفعال الإنسان الجليلة والسخيفة.
يتأكد: من أن الإنسان، الإنسان – ظل الله على الأرض – هو الذي يصنع المعجزات. هو الذي يشعل الحروب. وهو الذي يأتي بالسلام. هو الذي يصنع الغد المشرق البهيج. وهو سبب المجاعات والويلات.
يقول: نخب ما مضى، نخب السنة الجديدة. فجأة، يمتلئ غبطةً، أملاً، تُضاء حناياه بهجة.
يهتف: لتكن هذه السنة سنة بشرى، سنة أمل، سنة محبة، سنة خير وسلام. (1/1/ 1992)
وكل عام وأنتم بخير