لا شيء يدوم
2025.12.29
محمد صباح الحواصلي
من شرفة منزلنا، المشرفة على شارع بغداد وجبل قاسيون، قبل منعطف طريق الدحداح، اعتدنا أن نرى الموت يمر محمولاً في سيارة الموتى أو على الأكتاف مذكراً بنفسه، وبحتميته، ورهبته، وما يتبع الرهبة من خشوع نسيجه ذلك المزيج العجيب بين الخوفِ من الله وأهميةِ أن نكونَ أحياء.
كان الموتُ بالنسبة لأمي مدرباً صارماً منذ تجربتها الأولى مع الفقدان بموت أمها وهي طفلة في العاشرة، ثم بموت أخيها، وأبيها، ثم مع الحرب العالمية الثانية التي حصدت عشرات الملايين من القتلى، وفي طليعتهم أخوها، والتي علمتها كيف تفهم الحياة وتمارسها كما يجب: أي أن الحكمة - كما يقول الفيلسوف إسبينوزا - "في تأمل الحياة، لا الموت."
لم يخلُ يوم من دون أن تعبر شارعنا جنازة، وكانت أمي أكثرنا حرصاً على مشاركة المشيعين، من شرفتها في الطابق الثالث: تطلُّ على الراحلين إلى مثواهم الأخير بامتثالٍ وحزنٍ قوامه التسليم، وكم أدهشني تأثرها على الراحلين وكأنهم من أهلها.
وكانت كلما غاب عن أنظارها موكب جنازة في منعطف طريق العقيبة تدخل إلى الغرفة وهي تقول بصوتها الممتثل للقدر:
"آيييه دنيا.. ما في شي بدوم.."
ثم جاء اليوم الذي عبر موكب أمي الطريق نفسه.. رحمة الله عليها، إلى مقبرة الدحداح.