مرثية الصلصال الأخير
2025.12.25
محمود اسماعيل
خديجة أغلقي الباب جيداً ولا تتركي للريح ثقباً يمر منه الحنين، لقد تعبنا من الوقوف كأشجار السرو على حواف الحكايات.. تعبنا من انتظار فجر يجيء.. ولا يجيء… فيا خديجة ادخلي في الغياب بكامل صمتك.. فلم يعد في الحضور متسع لظلك أو لظلي…
لم أعد أنا الأرض.. ولا أنت…
الأرض التي غنينا لها صارت عقارات للبيع، والسنابل التي نذرت لها ضفائرك صارت غباراً في رئتي التيه… أنا الآن شتات يبحث عن منفى داخل المنفى.. وأنت.. أنت امرأة من زجاج تكسر في ضجيج الشعارات… كيف أقول أنا الأرض.. والحدود تضيق حتى بمقاس كفني؟ وكيف تكونين أنت الأرض والملح أكل ملامح وجهك الصبور؟
خديجة أوصدي المزلاج…
لم يعد هناك مبرر لنشر الغسيل على حبال الأمل، فالسماء التي استسقيناها أمطرت غربة، والأبواب التي تركناها مواربة لم يدخل منها غير البرد والنسيان، خذلاننا يا خديجة ليس سقطة في بئر، بل هو البئر نفسه، وقد جف ماؤه وصار يبتلع صدى استغاثاتنا…
كنا نقول الأٍض تضيق بنا، والآن أقول نحن ضقنا بالأرض، وضقنا بالقصيدة فلا تفتحي الباب لطارق يدعي أنه الربيع، ولا تنظري خلفك… فالأرض التي كانت تشبهنا تنكرت لنا ونحن الذين كنا نشبهها.. صرنا الآن مجرد فائض عن حاجة التراب..
ادخلي في الغياب….
هناك ربما نجد سماء لا تطالبنا بأن نكون أنبياء، وأرضاً لا تطلب منا دماً لكي تعترف بأسماء أطفالنا، يا خديجة انتهى النشيد وأنا لم أعد أنا… وأنت لم تعودي إلا صوتا يذوب في زحام الرحيل..