أدونيس المنتمي إلى السؤال
2025.10.18
أديب حميد
في العالم العربي، لا يُهاجَم المفكر لأنه أخطأ، بل لأنه تقدّم خطوة واحدة أكثر مما يُسمح له بها.
لا يُحاكم المبدع على ما كتب، بل على ما حرّر من قيودنا الداخلية.
ولأن أدونيس كان الأكثر جرأة في زعزعة البديهيات، كان لا بدّ أن يُصلب في ساحة الاتهام، كلّما ضاقت العقول، أو اختنقت الطوائف.
اليوم، يتعرّض أدونيس لحملة تشويه لا تشبه سوى عجز الوعي العربي عن تقبّل المختلف.
يهاجمونه من منطلق طائفي بائس، كما لو أنّ القصيدة تولد من المذهب، لا من الرؤية.
وهكذا يعود الهمج، كلّ مرة، ليحرقوا مكتبة الإسكندرية من جديد.
الطائفة بوصفها سجنًا:
من يقرأ أدونيس بعمق، يدرك أن الرجل لم يكن في أي لحظة أسيرًا لطائفة أو دين.
هو من كتب في كتابه "الثابت والمتحوّل" عن ضرورة تفكيك البنية الذهنية التي تُقدّس الماضي وتُميت الحاضر.
كان مشروعه الفكري كله صرخة ضد الانغلاق، وضد تلك البنية التي تجعل الإنسان تابعًا لما لم يختره.
فهل يُعقل أن يُتّهم من هدم جدران الطوائف بأنه ابنها الوفي؟
إنّ الطائفية ليست مسألة انتماء، بل مسألة وعي.
وأدونيس كان، منذ بداياته، فوق كلّ انتماء ضيق.
لقد عاش في فضاءٍ آخر، حيث الإنسان هو الأصل، والهوية هي السؤال، لا الجواب.
هو من قال في إحدى حواراته:
أنا لا أنتمي إلى أحد أنا أنتمي إلى السؤال .
تلك العبارة وحدها تكفي لتبرئه من كل ما يُقال.
فالسؤال، في معجمه، ليس ضد الإيمان، بل ضد الجمود.
هو ليس عداءً للمقدس، بل بحث عن معنى أعمق له، خارج التفسير الرسمي للسماء.
أدونيس ونوبل: الجائزة التي خسرت شاعرها:
كثيرون استغلّوا عدم فوزه بجائزة نوبل كأنها وصمة نقص، وكأنّ القيمة تُمنح بقرار لجنةٍ غربية.
لكن الحقيقة أنّ نوبل ليست مقياسًا للعبقرية، بل لمزاج السياسة الأدبية في لحظتها.
كم من شاعرٍ عظيم لم ينلها، وكم من متوسطٍ حظي بها.
لو كانت نوبل تُمنح للتمرّد الخلّاق، لكان أدونيس أول الفائزين.
ولو كانت تُمنح لمن أعاد تشكيل اللغة العربية في بنيتها وروحها، لما ترددت لحظة في منحه إياها.
غير أنّ الغرب، الذي يريد أن يرى في العربي “الآخر المطيع”، لا يحتمل شاعرًا يسائله في العمق.
أدونيس لا يقدّم صورة الشرق الجميلة التي يحبّونها، بل مرآة الشرق الجريح التي يخشون النظر فيها.
إنّ أدونيس لا يحتاج إلى جائزةٍ تُضيف إليه بريقًا.
فالشاعر الذي غيّر شكل القصيدة العربية، ووسّع حدود اللغة إلى تخوم الفلسفة، قد تجاوز مرحلة “الاعتراف”
إنه ليس بحاجة إلى التتويج، لأنّه هو التاج ذاته.
القصيدة كفعل حرية:
منذ ديوانه الأول، كان واضحًا أنّ أدونيس يرى الشعر لا بوصفه تعبيرًا عن الذات فقط، بل مشروعًا لتغيير الوعي.
كان يريد أن يكتب قصيدة “تفكّر”، لا قصيدة “تتغنّى”.
أن يجعل من اللغة كائنًا حيًّا يثور على نفسه.
ولذلك حمل شعره بعدًا وجوديًا وإنسانيًا لا يُطاق لمن يريد من القصيدة أن تكون تزيينًا للواقع، لا تفجيرًا له.
قصيدته ليست زخرفة، بل قنبلة فكرية.
كلّ كلمة فيها تحمل سؤالًا عن الله، عن الإنسان، عن الوجود، عن الحرية.
ولذلك يبدو أدونيس، في جوهره، مفكرًا يكتب شعرًا.
لم يكن الشعر عنده غاية جمالية فحسب، بل وسيلة لفهم العالم.
وهنا بالضبط يكمن خوف خصومه منه:
إنّه يحرّر اللغة، واللغة حين تتحرر، يتحرر الناس.
المثقّف الحرّ في مجتمع الوصاية:
ما لم يدركه كثيرون أنّ أدونيس ليس مجرّد شاعر، بل أحد آخر المفكرين العرب الذين امتلكوا مشروعًا معرفيًا متكاملًا.
لقد قرأ التراث لا كدارسٍ جامعي، بل كمنقّبٍ عن روحٍ ضائعة.
سعى إلى إعادة تعريف علاقة العربي بالماضي، ففتح بذلك جرحًا قديمًا لم يشأ أحد أن يلمسه.
ولهذا كان من الطبيعي أن يُحاصَر:
كلّ من يقترب من أسطورة الماضي يُتّهم بالكفر.
لكن الفرق بين أدونيس وغيره أنّه لم يرد تدمير التراث، بل تحريره من القداسة الزائفة.
لم يقل يومًا: اتركوا الماضي.
بل قال: اقرأوه بعين جديدة.
غير أن من تعوّد على التلقي لا يطيق من يطلب منه أن يُفكّر.
الحرية أثمن من التصفيق:
في النهاية، لا يحتاج أدونيس إلى جمهورٍ يُصفّق له.
الشاعر الحقيقي لا يقيس نفسه بعدد المصفّقين، بل بعدد الذين استفزّهم فكره ليعيدوا التفكير في أنفسهم.
الضجيج حوله اليوم لا ينتقص منه، بل يبرهن على أن صوته ما زال يُرعب.
إنه، ببساطة، أكثر الأحياء حضورًا في غياب الوعي.
أدونيس كمرآة لنا جميعًا:
أنا، حين أدافع عن أدونيس، لا أدافع عن شخصٍ من لحمٍ ودم.
أدافع عن فكرة، عن موقف، عن إنسانٍ آمن بأن الشعر يمكن أن يكون طريقًا إلى الحرية.
أدافع عن كلّ من رفض أن يُعرّف نفسه بقبيلة أو طائفة أو حدود.
الذين يهاجمونه اليوم لا يفعلون سوى فضح خوفهم.
هم لا يكرهون أدونيس، بل يكرهون الفكر الحرّ الذي يسكن فيه.
ولو نظروا في المرآة، لرأوا أنّ ما يهاجمونه فيه هو ما خسرناه نحن منذ زمن طويل:
الجرأة على أن نقول «لا»،
الجرأة على أن نحلم.
سيبقى أدونيس، مهما قالوا، شاهدًا على أن الشعر يمكن أن يكون وطنًا،
وأن الإنسان يمكن أن يكون دينًا،
وأن الحرية، مهما كانت مؤلمة،
هي الشكل الأسمى من الإيمان.
السبت 11 أكتوبر 2025.