أبو العلاء المعري نموذج للقراءات التاريخية المتعددة
2025.09.27
إسماعيل مروة
تحطيم للفكر
مرة بعد مرة نستذكر رموز الحضارة العربية والسورية، وها هو أبا العلاء المعري يخضع للخلاف في القراءة، مع أن أبا العلاء المعري قرئ مرات عديدة، وحورب بلا هوادة، فنسبوه إلى الزندقة وشتموه، وإلى الدهرية وحاكموه، وإلى الفلاسفة ونالوا منه! وهذا الأمر ليس جديداً في حضارتنا، ولم يكن أمام تجربة فريدة.
المعري والتكريم
قبل منتصف القرن العشرين تداعى الكبار، يوم كانت الثقافة زاخرة بالكبار، تداعوا لتكريم أبي العلاء المعري، وإقامة مؤتمر حوله، وكان ذلك في دمشق وحلب ومعرة النعمان، وكان المؤتمر عام 1944 يوم كان المجمع العلمي العربي يعتني بالأمور الكبيرة، ويسعى لمكانة العربية ومبدعيها، وسورية وقاماتها، وإن كانت طي النسيان لدى كثيرين، في ذلك العام دعا المجمع إلى المهرجان الألفي لأبي العلاء، ولم يكن اللقاء مجرد لقاء، بل كان إعادة اعتبار للمعري ومنجزه الشعري والنثري والفكري، ويكفي أن نقف عند أمرين لنعرف قيمة ما فعله المجمع العلمي قبل أن يصبح مجمعاً للغة العربية:
1- لم تبق قيمة ثقافية فكرية وأدبية لم تشارك، ويكفي أن يكون عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين حاضراً وبقوة، بل أشرف على جوانب، وهو صاحب (تجديد ذكرى أبي العلاء) إضافة إلى أنه من أهم الطاقات الفكرية في عصرنا الحديث، وفي هذا المهرجان الألفي تحدث بدوي الجبل فألقى جوهرة شعره بأبي العلاء، وتغنى الأخطل الصغير بأجمل الشعر وعمر أبو ريشة وثب ليقاربه إضافة لكل الأسماء الكبيرة.
2- عن هذا المؤتمر تشكلت لجان أهمها التي أشرف عليها العميد طه حسين لتعيد تراث أبي العلاء إلى النور، وكان لهذه اللجنة ما أرادت، فأصدرت أعماله، وقدمت كتاباً مجموعاً (تعريف القدماء بأبي العلاء).
وأذكر هنا ما قاله لي شيخ الوراقين في القرن العشرين الراحل أحمد عبيد، وعن جهوده في إطار الاحتفالية الألفية بالمعري، وكيف استطاع ترتيب أوراق مخطوط متناثرة ليتم تحقيقها ونشرها في هذه المناسبة، وأذكر أنه تحدث عن تعاون كان بينه وبين الدكتور العش.. والذي يعنينا أن المجمع العلمي العربي بجهوده وجهود العلماء الذين يثق بهم استطاع أن ينشئ حركة نقدية وأدبية حول المعري، وأن يعيد نشر تراثه محققاً تحقيقاً علمياً بإشراف الدكتور طه حسين.
المعري ملهم المبدعين
في هذا المهرجان الألفي اجتمع الشعراء العمالقة من أرجاء الوطن العربي من سورية ولبنان ومصر، وكأنهم يردون الاعتبار للمعري والمعرة، للشاعر الذي ما مرّ في شعرنا العربي شاعر يدانيه لغة وقدرة وشاعرية وذكاء، لأديب كان له الفضل الأول في اختراع نوع أدبي لم يسبق إليه بهذه السعة، هو فن الرسائل الأدبية الفكرية النقدية، فكانت (رسالة الغفران) الباقية مثالاً للعبقرية على الزمن، والشاهدة على الخيال المجنح والقدرة الهائلة لأبي العلاء، ومن ثم كانت (رسالة الصاهل والشاحج) و(رسالة الملائكة) و(رسالة زجر النابح) وهذه الرسائل تعزز مكانة المعري في توليد هذا الفن الذي يجمع الفكر والفلسفة والأدب والنقد، وهو ما أخذه عنه بإجماع الآراء الإيطالي (دانتي).
ومع ابتلائه بالعمى كان المعري متفوقاً، وهذا ما جعله ملهماً للشعراء عبر الزمن، وفي المهرجان الألفي يتبارى الشعراء للحديث عنه، ومنهم من استفاد من عماه ليصنع مفارقة ترتقي بالمعري ولا تنال منه: وها هو الأخطل الصغير (بشارة الخوري) يخاطبه:
ربّ شاك فقدَ العيون ولا
ينفكّ يهدي العيون للمبصرينا
هل رأيت النجوم تزداد نوراً
كلما احلولك الدجى وفتوناً؟
هكذا الفكر يصدع الليل بالنور
إذ لم تكُ العيون عيونا
أيبالي من عنده البعد والقرب
سواء، أن تعجزَ المعجزينا
أما عمر أبو ريشة فقد صنع قصيدة تحاكي أبا العلاء وفلسفته ورؤاه:
يا أخا الحكمة السنية هل نلت
على سدة الخلود أمانا
كيف ألفيت عالماً لم يكحّل
مرود النور جفنه الوسنانا
هل محا بسمة الكآبة عن
فيك وأردى في صدرك الأحزانا
وهدى خاطراً وزان لسانا
وشفى مقلة وارضى جنانا
عالم الوهم نحن صغنا رؤاه
وأردناه أن يكون فكانا
لست تسطيع أن تكون إلهاً
فإن اسطعت فلتكن إنسانا!!
ودرة ما قيل فيه، ودرة ما قاله بدوي الجبل تحت عنوان (إيه حكيم المعرة):
أعمى تلفتت العصور فما رأت
عند الشموس كنوره اللماحِ
نفذت بصيرته لأسرار الدجى
فتبرجت منها بألف صباح
من راح يحمل في جوانحه الضحى
هانت عليه أشعة المصباح
أمصورّ الدنيا جحيماً فائراً
يرمي العصور بجمره اللفاح
هوّن عليك ففي النفوس بقية
من رحمة ومروءة وسماح
إيه رهين المحبسين ألم يئن
إطلاق مأسور وفك سراح
أتضيق بالأنثى وحبك لم يضق
بالوحش بين سباسب وبطاح
يا ظالم التفاح في وجناتها
لو ذقت بعض شمائل التفاح
هي صورة لله جلّ جلاله
عزت نظائرها على الألواح
الدهر ملك العبقرية وحدها
لا يملك جبار ولا سفاح
لا تصلح الدنيا ويصلح أمرها
إلا بفكر كالشعاع صراح
خير العقائد في هواي عقيدة
شمّاء ذات توثب وجماح
تبني الحياة على هدى إيمانها
والعقل منبت غيرها والماحي
ومما قيل في المعري من نثر ومن شعر نلحظ تميز المعري عن سواه، ولا يحسن النظر إليه كما ينظر إلى الشعراء الذين يتغنون بالشعر، ويرون وظيفة الشعر غنائية وحسب، وها هو العميد الدكتور طه حسين يقول في المهرجان الألفي لولادة المعري، وفي تقديمه لكتاب (تعريف القدماء بأبي العلاء) عام 1944 «كان أبو العلاء شديد التردد في أشياء كثيرة، منها البعث، ومنها قيمة التاريخ بالقياس إلى الذين يأتون جلائل الأعمال، ويفكرون فيما ستذكرهم به الأجيال المقبلة، بعد أن يستأثر بهم الموت.. ثم عاد الناس إلى ذكره، يختلفون فيه كما كانوا يذكرونه مختلفين قبل أن يموت، يثني عليه بعضهم، وينعى عليه بعضهم الآخر، يكفّره فريق، ويعدّه فريق آخر بين الأولياء الصديقين، وأولئك وهؤلاء يأخذون في أمره بالظنة، ويحكمون له أو عليه بأيسر ما يقرؤون له، ويفهمون عنه، من الشعر والنثر، ولا نكاد نستثني منهم إلا ابن العديم».
يلخص طه حسين بمكانته وعلمه وحبه للمعري إشكاليات المعري الفكرية، وهي ما نراه في أي كتاب أو بحث عن أبي العلاء، إذ غالباً ما يتصدر الحديث عن عقيدته الحديث عنه، وإشارة الدكتور طه حسين عميقة ولا تستثني أحداً، فكل من تحدث عن المعري كان حديثه حديث مجالس، ولا يعرف عنه شيئاً، وفي أفضل حالاته يقدم فهماً لما قرأه من شعره على قلّته!
ولو عدنا إلى ما كتب عنه في العصر الحديث نجد ما قاله طه حسين أمراً واقعاً، وذلك بغض النظر عن هوية الكاتب وانتمائه! فهذا كاتب مترجم مثل لويس عوض يتحدث عن خروجه ومروقه لغايات، ويأتي محمود شاكر المتدين ليدافع عنه في كتابه (أباطيل وأسمار) ودفاعه يستند إلى فهم عميق للنص يماثل ابن العديم، وعمر فروخ الموسوعي يبدأ كتابه (حكيم المعرة) بالدفاع عن عقيدة المعري.
والطريف أن من يهاجمه أو يدافع عنه يستند أحياناً إلى الأبيات الشعرية نفسها، وقد أخضع هذه الأبيات لفهمه الخاص، وباستثناء ما جاء عند عمر فروخ في بحثه، وبدوي الجبل في قصيدته الباذخة عن مناقشة المعري في رأيه السلبي بالمرأة، فقد عمد الجميع إلى مناقشته في أفكاره وعقيدته وتكفيره أو الدفاع عنه، وأهملوا الجوانب الاجتماعية التي تعنيهم مناقشتها مثل المرأة، الأسرة، الوالد، المال، السلطة، وغير ذلك كثير..