صنع الله إبراهيم في عدد خاصّ من مجلّة "نقد 21"
تمّ اختيار شخصيّة صنع الله إبراهيم (1937-2025) قبل رحيله بثلاثة أشهر ليكون محوراً لعددٍ خاصّ به من مجلّة "نقد21" المصريّة؛ لأنّه جمع في شخصه بين المبدِع والمناضل معاً، وأنجز مدوَّنة روائيّة واكبت التّحوُّلات العاصفة التي أصابت المجتمع المصريّ والعربيّ، واجترح تقنيّات سرديّة جديدة امتصـّت المتن الحكائيّ الحارّ في نسيجها السّرديّ، واستثمرته لتشكيل كونٍ سرديّ مُشفَّر خاصّ بها، من دون أن تنوء تحت ثقل الآخَر، أو تقع تحت هيمنته، فضلا عن أنّ صاحب "شرف" و"وردة" حرص طوال حياته على أن يكون مثالا حيّاً للمثقّف الوطنيّ النّزيه، الذي لا ينحني أمام عتوّ السّلطة وجبروتها وطغيانها، ويحرص على إقامة مسافة بينه وبينها، ويقنع بالقليل، ولا يرضى بأن يبيع ضميره ووجدانه لها بثمن بخس؛ وهكذا ظلّ وفيّاً لأفكاره السّياسيّة وقيمه الجماليّة ومثله العليا إلى أن رحل؛ ولذا فإنّ احتفاء "مجلة نقد21" بتجربته الرّوائيّة والكفاحيّة ليس مقطوع الصّلة عن الدّلالات السّياسيّة والوطنيّة لهذه التّجربة، بل كان رسالة رمزيّة رغبت أن تعزّز من خلالها ما سعى أديبُنا الرّاحل إلى ترسيخه في حياتنا الوجدانيّة من قيم ومثل عليا.
وللنّهوض بذلك اتّصلت المجلّة بكوكبة من النقّاد والنّاقدات في ستّة دول عربيّة هي: سورية، والعراق، والجزائر، وفلسطين، وتونس، ومصر، وكلّفتهم بإنجاز دراسات نقديّة عن منجزه الرّوائيّ، فانبثق بين أيدينا هذا العدد الخاصّ عن مجمل تجربته؛ إذ كتب محمود الغيطاني/ رئيس تحرير المجلّة في مقدّمة العدد عن مسوّغات تخصيصه للاحتفاء بتجربة صنع الله الرّوائيّة، وحلّل إبراهيم اليوسف (سورية/ ألمانيا) رواية "وردة" تحت عنوان "تفكيك السّرد وتشظي الصّوت وبنية الانهيار في المتن الحكائيّ للرّواية"، وتقصّى أحمد عزيز الحسين (سورية) آليّة تفكيك البنية الرّوائيّة وتشظِّي الجسد في رواية "تلك الرّائحة"، ولاحق آليّة تجلي السُّلطة في النّصِّ بوصفها معماراً روائيّاً، أمّا أحمد علي محمد (سوريا) فقد قرأ كتاب "يوميّات الواحات" لصاحب "اللّجنةُ، وعُنِي بمتابعة تحوُّل السِّجن إلى حيّز لصناعة مثقف حرّ لا كاتب سلطة، في حين آثر زهير كريم (العراق) أن يقف في مقاله النّقديّ على تفكيك التّنوير الزّائف في رواية "القانون الفرنسيّ" بوصفها مرآةً للاستعمار الثّقافيّ، وعُنِي الدكتور زين عبدالهادي (مصر) بتقصّي أركيلوجيا المعرفة وعلاقتها بالسّلطة كما تبدّت في رواية "اللّّجنة"، ولاحق الدّكتور سعد التميمي (العراق) آليّة تسريد الزّمن الممزَّق والبؤرة المتحوِّلة في المتن الحكائيّ، وكيف تواطأ السّرد والتّاريخ في صياغة الخطاب الرّوائيّ في رواية "العمامة والقبّعة"، وتصدّت الدكتورة سلوى السّعداوي (تونس) لدراسة آليّة التّشكيل الفنيّ في كتاب "يوميّات الواحات" من خلال عنوانها اللّافت (الكتابة الشّذريّة في "يوميّات الواحات" السِّجنيّة)، في حين وقف عروة محمد (سوريا/ المملكة المتّحدة) في مقاله النّقديّ الأوّل على رواية "أمريكانلي" من خلال دراسة ثنائيّة العربيّ والآخر الأمريكي" في الرّواية، وكيفيّة تجلِّيها بتقنيّات سرديّة محدّدة، أمّا الدكتور علي نجيب إبراهيم (سوريا/ باريس) فقد درس رواية "بيروت بيروت" من خلال التّركيز على الحكاية المسرودة والعبارات الوامضة التي استُخدِمت في تشكيلها وصياغة بنيتها اللغويّة، وتناول الدكتور لويس بن علي (الجزائر) آليّة التّلصُّص على الواقع التي اعتمدتها شخصيّة المراهق في رواية "التّلصُّص"، وكيف ساهم ذلك في تنامي خيرتها الجسديّة ووعيها بما حولها، ووقف محمود الغيطاني (مصر) من خلال تحليله لرواية "نجمة أغسطس" على آليّة صياغة الأسلبة والحكي من الهامش اللّتين اعتمدتهما الرّواية في تشكيل معمارها السّرديّ، ولاحقت منال الشرقاوي (مصر) رحلة صنع الله كما تبدّت في العديد من نصوصه، وعُنِي الدكتور الهادي بوديب (الجزائر) بتعرية السِّياسيّ والثّقافيّ كما تَبدَّيا في رواية "برلين 69"، ودرست الدّكتورة هناء علي إسماعيل(سوريا/ جامعة طرطوس) العتبات النّصيّة وعلاقتها بالسّرد المخاتِل في تشكيل البنية الفنيّة لرواية "شرف"، وخُتِم العدد بدراسة نقديّة للباحث الفسطينيّ يوسف حطِّيني (من جامعة الإمارات العربيّة المتّحدة)؛ الذي عكف على رواية "ذات" لصنع الله، ولاحق كيف كان السّرد الخاصّ فيها يطلُّ من شرفة العامّ، أمّا الصّفحة الأخيرة فقد خصّصها الفنّان التّشكيليّ ياسر عبدالقوي (مخرج المجلّة) للحديث عن معنى "أنْ تكون روائيّاً شيوعيّاً" في زمننا الأغبر هذا.
الجدير بالذّكر أنّ العدد أنجز بإشراف وتحرير النّاقد السّوريّ أحمد عزيز الحسين.
هيئة تحرير مجلة "نقد 21" القاهرة
رابط العدد من مجلة نقد21