كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

في الذكرى 53 لاستشهاده غسان كنفاني في أكاديمية الثقافة

أمينة عباس- فينكس

تؤكد الندوة الاستذكارية التي أقامتها أكاديمية دار الثقافة مؤخرا بمناسبة مرور الذكرى الثالثة والخمسين لرحيل الشهيد غسان كنفاني، أن المبدع يرحل بجسده فقط، فآثاره التي تركها وراءه تبقى قنديلاً ينير درب الأجيال القادمة، فكيف إذا كان هذا المبدع هو غسان كنفاني الذي توّج إبداعه ونضاله باستشهاده، فارتقى بمكانة المثقف وبدور الثقافة، مثلما ارتقى بالحبر إلى منزلة الدم.
ثائرًا ملتزمًا مفكرًا
أثبتت المشاركات التي قُدّمت في الندوة أن الحديث عن غسان كنفاني مبدعًا ومناضلًا لا ينتهي، ومن الصعب الإلمام بما أنجزه، وهو كثير على الرغم من مسيرته الحياتية القصيرة، ومع هذا حاول المشاركون التنقل بين إبداعه ونضاله، فأشار الباحث السياسي أبو علي حسن إلى الجانب الفكري والسياسي لغسان كنفاني، قائلًا: "هو العروبي القومي الماركسي بفكره لا بفكر الآخر الأيديولوجي، والثائر المسلح الذي لم يمتشق يومًا البندقية، إنما امتشق ما هو أعظم منها، حاملًا في وعيه قضية، معبرًا عنها في كل كتاباته أدبًا وفكرًا، ومناضلًا يدعو إلى الحياض عنها، لذلك لم يكن أديبًا وحسب، إنما كان ثائرًا ملتزمًا مفكرًا، متسلحًا بعروبته وطارحًا في افتتاحية مجلة الهدف التي أسسها الكثير من الرؤى السياسية التي تعبر عن فكره، وبإنتاجاته الأدبية استطاع أن يحولها إلى فكر سياسي وحوافز وطنية".
كما تحدّث حسن عن مفهوم كنفاني للوطن: "الوطن ألا نكون لاجئين، ألا ننصب الخيام، ألا يُكتب على بطاقتي لاجئ فلسطيني، ألا نعاني، ونُذل ونُهان.. أتعرفون ما هو الوطن يا عرب.. الوطن هو ألا يحدث فينا اليوم ما حدث..!!! الوطن ليس شرطًا أن يكون أرضًا كبيرة، قد تكون مساحة صغيرة جدًا، حدوده كتفان"..!! هكذا الوطن إذًا عند غسان ليس بمساحته، إنما يُقاس بوجوده وعيًا وفكرًا وإيمانًا وعشقًا".
الناقد الساخر
طغت شهرة كنفاني كقاص وروائي، إلا أن الكاتب غرز الدين جازي توقف في مشاركته عند غسان الناقد مبينًا: كان كنفاني يختلف عن المبدعين الآخرين ممن كتبوا النقد، فنقده كان مغايرًا تمامًا في أسلوبه وطبيعته، فكان في كتاباته النقدية جريئًا وساخرًا، وكانت لغته سهلة وبسيطة، فجعل بذلك النقد والأدب يدخل ذات القارئ بهذه الآلية المحببة ، دون أن يتخلى يومًا عن ثقافته الأدبية والجمالية، فوقف موقفًا واضحًا ناقدًا لكل النماذج التي اتخذت من الثورية والمقاومة مدخلًا فضفاضًا للتسلق والشهرة أو لعدم الاكتراث بشروط الإبداع الجميل".
ويضيف جازي: "أسس الكنفاني برؤيته ما أصبح معروفًا بـ"النقد التفاعلي"، عندما أتاح للقراء أن يناقشوه ويرسلوا آراءهم إليه، فأعاد للنقد أهميته بجعله تفاعليًا بعد أن حشرته الدراسات الأكاديمية والتنظيرية في الدراسات الجامعية والمجلات التخصصية، وجعلته فنًا نخبويًا للمثقفين وبذلك ساهم الكنفاني في تأسيس هذا النقد الذي جاء بعده رونان ماكدونالد بسنوات ليتحدث عنه، وبهذا كان الكنفاني مثقفًا نقديًّا رائدًا، وثاقب الرؤية، واسع الاطّلاع ومتابع دؤوب للتيارات الفكرية والأدبية بمجملها، فأجاد في نقده الساخر واللاذع، كاشفًا وفاضحًا من خلاله فقر الدم الأدبي والفكري، والإخفاقات الأدبية لدى بعضٍ من الأدباء، دون أن يقتل الجوانب الإيجابية للنص، والإشارة إليها".
مسرح كنفاني اللامعقول
ولأن كنفاني، برأي الفنان محمود خليلي، لم يكن يستطيع التوقف عن الكتابة لحظة واحدة في السنوات الأخيرة من حياته: "كان عليه أن يحقق كماله النفسي كفلسطيني أولاً، ثم كأديب معاصر وكسياسي فاعل عن طريق الكلمة بأشكالها المختلفة، ومنها المسرح، حيث كتب مسرحيتين فقط، الأولى "الباب" عام 1964، والأخرى "القبعة والنبي" عام 1976، التي نُشرت بعد استشهاده في مجلة "شؤون فلسطينية" عام 1973، أما تضمين نص "جسر إلى الأبد" في مجلد المسرحيات، فقد أوقع بعضَ الكُتّابِ أو النقاد في خطأ تسميتِه نصاً مسرحياً، والصحيح أنه نصٌ إذاعيٌّ من عشرِ حلقات، كُتب لإحدى الإذاعات العربية، وما من تأكيدٍ أو نفيٍ إن كان هذا المسلسل قد سُجّل أو أُذيع في إذاعة ما".
وأوضح خليلي بعضَ النقاطِ في تجربة كنفاني المسرحية، قائلاً: "لم تُذكَر فلسطين في نصّيه المسرحيين، على عكسِ كلِّ نتاجه الأدبي في القصة والرواية؛ لكنّ فلسطين كانت حاضرةً بقوة بين ثنايا الكلمات والمعاني، على نحوٍ رمزيٍّ أحياناً وتجريديٍّ أحياناً أخرى، مستخدمًا الرمزَ والأسطورة في مسرحه، الذي يلتقي بمسرح اللامعقول، مستفيداً على مستوى الشكل من تجربة بريخت في المسرح الملحمي، إلى جانب سيطرة فكرة الموت أو الرفضِ في مسرحياته، كما في مسرحية "الباب" و"القبعة والنبي"، التي يتردّدُ فيها الهاجسُ الصاخبُ بالموت والحياة والحب من خلال أبطاله الفلسطينيين، دون أن يُفصحَ عن ذلك صراحةً".

كنفاني تشكيلياً
أمّا الفنان التشكيلي محمد الركوعي، والذي كان معتقلاً في سجن عسقلان منذ أربعة عقود، والذي كان أدب غسان الذي قرأه معينًا له كفنان تشكيلي في السجن: "رسمت لوحات في السجن مستوحاة من قصص وأطفال وفكر كنفاني، واستطعت تهريبها من السجن".
وعن كنفاني التشكيلي، يقول الركوعي: "كان فنانًا تشكيليًا مبدعًا، وكانت لوحاته تعبّر عن الحالة الفلسطينية، فحضرت الخيمة والبندقية فيها، ومن المؤسف أنها لم تنل حقها في الفن كما نالت كتاباته، رغم فنه الأصيل والصحيح". إرثاً أدبياً وثقافياً لخصت الإعلامية وفاء حميد في مشاركتها حياة كنفاني، الذي أنجبته عكا بكل عنفوانها عام 1936، وغادر بيروت شهيداً عام 1972: "كان والده ناشطًا في الحركة الوطنية الفلسطينية التي عارضت الانتداب البريطاني وسياسة تمكين الهجرة اليهودية، تلقى تعليمه الأساسي في مدرسة فرنسية في مدينة يافا – وعندما امتدت الاعتداءات الإسرائيلية إلى عكا خرج هو وعائلته مع النزوح الجماعي للشعب الفلسطيني، فلجأ وعائلته إلى لبنان ثم دمشق. أكمل تعليمه في دمشق، وتم تعيينه لأول مرة كمدرّس فنون لحوالي 1200 طفل في مخيم اللاجئين، حيث بدأ بكتابة قصص قصيرة لمساعدة طلابه على فهم طبيعة وضعهم الحالي، ثم التحق بقسم الأدب عام 1952، وفي عام 1956 انتقل إلى الكويت ثم وفي عام 1960 ارتحل إلى بيروت ليعمل في العديد من الصحف كمحرر ورئيس تحرير، كما أسّس مجلة "الهدف" الفلسطينية. أصدر روايته الأولى بعنوان "رجال في الشمس" عام 1963، التي أوصلته إلى شهرة أدبية كبيرة، فأصبحت جملته فيها "الدق على الجدران" أيقونة النضال".
وختمت حميد كلامها: "يُعتبر كنفاني إرثاً أدبياً وثقافياً هاماً، وأدبه يعكس رؤيته العميقة وفكره المتقد، وتلهم الأجيال المتعاقبة في نضالها من أجل الحرية والعدالة. سقط جسد غسان كنفاني، لكن فكره لم يسقط، بقي صاحياً في عقول وضمائر الأجيال".
ضمّت الندوة كذلك قراءات لبعض قصص غسان كنفاني، حيث قرأ القاص عمر سعيد من مجموعته القصصية "أرض البرتقال الحزين" قصة بعنوان "ورقة من غزة"، في حين اختارت القاصة حسن خميس قصة من قصص كنفاني للأطفال حملت عنوان "القنديل الصغير". 
رافق الندوة، التي أدارها الناقد أحمد هلال، معرضٌ للفن التشكيلي الفلسطيني أشرف عليه اتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين، وقد ضم ٢٧ لوحة أنجزها عشرة فنّانين من مدارس مختلفة. 
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"
حسن الخير: "لوركا العرب" الذي قطّعوا لسانه فخلدت كلمته
الأديب السوري مفيد أحمد يحصد المركز الأول في جائزة «وولت ويتمان» الدولية بقصة تجسد جراح الإنسان بعد الحرب