ميشيل كيلو يعود مكرماً وعضواً في اتحاد الكُتّاب العرب
2025.07.16
أمينة عباس- فينكس
لم يكن حفل تكريم الراحل ميشيل كيلو، الذي أقامه اتحاد الكُتّاب العرب مساء أمس الثلاثاء 15 تموز 2025، إلا مناسبة لتعود روحه من غربتها إلى دمشق التي ظل يحلم بالعودة إليها بعد غياب قسري عنها، في لحظة فارقة من تاريخ سورية.
مداراته الشخصية والوطنية
جال رئيس اتحاد الكُتّاب العرب د. طه العثمان، في كلمته التي افتتح بها الحفل، في مدارات الراحل الشخصية والوطنية، كمناضل سياسي تميَّز بجرأة نادرة، فلم يهادن يومًا: "مفكر حر امتلك بوصلة الطريق ولم يضع سِمَته، كان استشرافيًا على الدوام، وفاعلًا ومتقدمًا للصفوف بغضّ النظر عن التبعات التي أفضت إلى دخوله غياهب السجون مرارًا ومرات... وهو القامة الاستثنائية في الفضاءين السوري والعربي، المجبولة بمواصفات الرجال النادرين من الطراز الرفيع، والمهجوسين بالوطن والإنسان وبكل ما يمتّ للقيم. وهو الأديب المرهف الإحساس الذي أبدع وغاص في قاع الروح البشرية، مصوِّرًا آلامها. إنه رجل يستحق منا التكريم اللائق والصادق".
من الأمة إلى الطائفة
ويشير العثمان في كلمته إلى علاقته مع الراحل، التي توطدت حين كان كيلو يعكف على تأليف كتاب يسلّط الضوء على ما وصلت إليه سورية في حكم العسكر، وحمل عنوان: "من الأمة إلى الطائفة"، فيقول: "وفي غضون أقل من شهرين بعد صدور الكتاب، رحل كيلو بجسده، تاركًا لنا روحه وكامل إرثه المعنوي والنضالي، وطروحاته التي قدّمت لنا طريقًا ومنهجًا نتلمّس فيه إعادة بناء هذه الدولة... لم يكن الراحل ميشيل كيلو، بقلمه الحر ونقده وآرائه، مدفوعًا برغبة المخاصمة والاختلاف، بقدر ما كان تأسيسيًا وجامعًا، وساعيًا إلى الكشف عن اتجاه إبرة البوصلة الدالة على الأمان والحرية والعدل. وقد أسَّس لجيل كامل قواعد الاشتباك في معركة الحرية ضد السلطة، وطالما قضّ مضجعها بنقده اللاذع، وباستشرافه للواقع، وامتلاكه النظرة الثاقبة والموقف المبدئي".
"مزار الدب"
سلطت الكلمات التي ألقاها المشاركون في الحفل الضوء على كيلو المثقف والمناضل والأديب. حيث تقول أ. فدوى العبود إنها بعد قراءة روايته "مزار الدب" والعديد من مقالاته: "وجدتُ أنه، وبينما كان السياسي يحلم بوطن مثالي ويتطلع إلى الأعلى، كان الكاتب جرّاحًا واقعيًا يلمس الجرح بمشرط حاد".
وتضيف العبود قائلة: "كان الخلاص، كما يراه ميشيل كيلو، يكمن في الوعي. كان مثاليًا وثائرًا في السياسة، واقعيًا ومشرِّحًا للعلل في الرواية. استخدم الفانتازيا ليشير إلى سوريا التي غطاها الاستبداد بالجهل والفرقة، وهي تكشف عن شكوك كيلو في حاضر السوريين ومستقبلهم. ويتساءل سوريون كُثُر عن موقف ميشيل كيلو مما يجري اليوم؟ فتجيب العنود:"ما أثق به أنه سيكون سوريا أولًا وأخيرًا، وهذا لا يأتي من قراءته للتاريخ، ولا من تاريخ نضاله الطويل، بل من أن شكوكه بالذات لم تكن لتحبطه، بل تدفعه للمزيد، دون أن تحجب عنه علل الواقع".
مناضل استثنائي
ويبدأ أ. أحمد العسراوي كلمته، وهو من رفاق درب الراحل، بالإشارة إلى أن كيلو "مناضلٌ استثنائي، صاغ مسيرة نضالية فكرية، كان فيها رائدًا، ومن صف الرواد الذين استطاعوا، بما ملكوا من وعي ومعرفة وثقافة، أن يجعلوا للفكر اليساري في سورية مكانة خاصة. وقد جعل كل الفكر الذي التزمه في خدمة المجتمع وقواه الحيّة، وفي سبيل تفعيل المفاهيم والقيم التي شكّلت هوية الأمة، وقيمها وروحها الحضارية. وقد اكتشف، بشكل مبكر، أن أي نضال أو شعار أو هدف لا يفهم ويلتزم هوية الأمة التي مثّلتها ثنائية العروبة والإسلام، سيبقى على هامش المجتمع، وعالة عليه، بدل أن يكون، بحكم دوره الفكري والنضالي، طليعة للتغيير وللثورة وللعدالة وللحرية. وإني لا أضيف شيئًا حين أضع اسم هذا الرجل الذي نكرمه، إلى جانب أسماء يساريين كبار في مختلف أنحاء العالم، وفي كل ساحات النضال، الذين أدركوا أن التغيير الحقيقي لا يكون إلا بالإدراك الحقيقي لمقومات الشعب والأمة التي ينتمون إليها، فراحوا يطوّرون أفكارهم لتكون في هذا الاتجاه تمامًا".
من رجالات سورية المعاصرة
يصف أ. سليمان الشمر ميشيل كيلو، وهو أيضًا من رفاق الدرب: "رجل من رجالات سورية المعاصرة الذين تركوا بصمة عميقة في الواقع الثقافي والفكري والسياسي السوري. لقد حجز لنفسه مكانًا على الساحات السورية والعربية والدولية، بفضل ما أنتجه من ثقافة وفكر حداثيين، وما مارسه من سياسة عقلانية، جعلته حاضرًا في كل المفاصل المضطربة التي مرّت بها سوريا".
وبعيدًا عن مناقبه المعروفة، يعرّج الشمر على مسيرته السياسية، فيقول: "في بلد خنق السياسة، عاش الراحل عقودًا من عمره، بعضها ضمن تنظيم حزبي يساري وقومي، وأغلبها بقرب الأحزاب اليسارية والقومية المعارضة، لكنه حاضر بكل تفاصيلها: بالرأي، بالمقال، وبالبيانات. مناضلًا من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية ودولة المواطنة والقانون، دون أن يساوم على مبادئه، ودون أن يكون يومًا أيديولوجيًا. بل كان، على الدوام، يجسّ الأرض التي يقف عليها عند كل مفصل سياسي. وهبته التجربة وتراكماتها القدرة على المبادرة في وقتها المناسب. رحل، وإذا كنا لا نستطيع الجزم بجوهر موقفه من التحولات التي تشهدها سورية بعد انتصار الثورة وإعادة بناء نفسها، لكننا يمكن أن نجزم بأن السمت الذي كان سيقيس عليه الأمور، هو مدى تقدُّم قضايا الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ولا أي شيء آخر".
رجل المفاجآت
كما تحدث في الحفل أ. فايز سارة ليشير إلى أن الراحل: "رجل المفاجآت، على صعيد اقتراحاته، وعلى صعيد المجتمع المدني، ودوره كبير في صياغة إعلان بيروت-دمشق". في حين يبيَّن أ. ماجد كيالي: "لو أن كيلو بيننا اليوم، لانتابه حزن شديد لما يحصل الآن في سورية، ولرفع شعار (الشعب السوري واحد) لحقن الدماء. لقد فقدنا شخصًا هو من آباء التمرُّد في سورية على الفساد. ميزته أنه رجل صنع نفسه، وترك بصمته كقائد، رهن حياته من أجل شعبه، واجتمعت فيه صفتا السياسي والمثقف".
عودة عضوية كيلو في الاتحاد
وكان د. جمال الشوفي، الذي أدار الحفل، قد أشار إلى كتب الراحل في شتى المجالات الفكرية والسياسية، النقدية والتحليلية، والتي كانت برأيه ميراثًا وزوادةً لميشيل كيلو في تشكيل رأيه ورؤيته السياسية: "منطلقًا من الواقع بمعطياته، محللًا ومستخلصًا النتائج والمبادرات والمقترحات، وليس فقط، بل يدعمها ويحملها قيمه وفكره التحرري والإنساني، لتتجلّى صورة السياسي والمفكر والوجداني في شخصه ومواقفه العامة واليومية... السياسي الذي يحلل الواقع ولا ينغمس فيه، بل يقترح حلولًا وخطوات عمل، متبنيًا مظالم ومطالب الشارع، ويعمل عليها علنًا، معبّرًا عنها فكرًا وممارسة، يقوده وجدانه الفياض إلى الأدب وصوره الرمزية حين تضيق به السياسة ومنعرجات الواقع، لتشكّل لحظات انفراج من مطبّاته ومتغيراته". معلنًا في ختام كلامه عودة عضوية كيلو في الاتحاد.
تخلل الحفل عرض فيلم وثائقي، سيناريو وإعداد محمد منصور، عن تاريخ ميشيل كيلو، شاركت فيه زوجته وابنته وعدد من رفاقه في المغترب والمنفى. كما د. طه العثمان بتقديم شهادة تكريم لروح الراحل، تسلّمتها السيدة سميرة المسالمة نيابةً عن عائلته، التي عبّرت عن سعادتها بكونها واحدة من أسرته: "حينما قرر أن يكتب وصيته إلى كل السوريين عبر قلمي، وقال لنا بكل كلمة من وصيته: تمسّكوا بالحرية، وأنكم الشعب السوري، بعيدًا عن هوياتكم الضيقة".