تروتسكي: الجليد لا يذوب في الجماجم
2025.07.07
علي بدر
كان صيف المكسيك حارًا، لكنه لم يذِب برودة الفأس التي اخترقت جمجمة ليون تروتسكي في 21 أغسطس 1940. نفذ العملية عميل ستاليني، رامون ميركادير، تسلل إلى حياة تروتسكي متخفيًا في هيئة رفيق ثوري. أما الضربة، فكانت مزيجًا من فولاذ وأيديولوجيا. لم يمت تروتسكي فورًا. مكث ساعات بين الحياة والموت، في مشهد يبدو كصفحة من دستويفسكي أُعيدت كتابتها على يد برتولد بريخت. بعد مقتله، كتب أندريه مالرو: "لم يكن رجلًا، بل فكرة مشتعلة تتنفس." وقالت كولنتاي، المنفية والمخدوعة: "مات من ظن أن الثورة يمكن أن تنقذ من نفسها." حتى كامو، في إحدى مقالاته، قال: "لقد ضحى بالرحمة من أجل المساواة، فوجد نفسه بلا وطن وبلا قبر."
لا تقتل الأفكار، لكن الذين حملوها يدفنون بالوحل، فيما تنجو الشعارات وترتفع في تماثيل من اسمنت.
ناظم حكمت: منفًى ينزف في الرئة والقصيدة
سنة 1963، سقط ناظم حكمت في موسكو، وهو يحاول فتح الثلاجة. كأن القدر سخر منه، فلم يمت من السجن ولا المنفى ولا الخيبة، بل من حركة يومية، خالية من الشعر. قال عنه رفيق رفعت أوغلو: "كان ناظم أكبر من تركيا، وأضيق من أن يُحتمل في موسكو." أما لوركا، لو عاش، لكان رآه توأمًا للخراب الجميل. كتبت "ليتيراري غازيت" الروسية بعد موته: "الرفيق التركي سقط، لكن لا تزال الريح تحمل صوته." في رسائله إلى الشاعر لويس أراغون، كان يقول: "لا تنتمِ إلى أرضٍ إلا إذا قبلت أن تدفن فيها." لكن إسطنبول رفضته حيًا، فاحتفظت موسكو بجثمانه في زاوية بعيدة عن الجوقة.
لا يخون المنفى الشعراء، بل يعلّمهم كيف يكتبون وهم ينظرون إلى قبورهم من الخارج.
غيفارا: مَن قَتل الحلم؟
في أكتوبر 1967، أُعدم تشي غيفارا في بوليفيا على يد جندي شاب يرتجف، بينما يقف خلفه ضباط الاستخبارات الأمريكية بهدوء قاتل. الجثة صوّرت وهي معروضة على طاولة خشبية، بحضور الطبيب الذي التقط الصور، وكأنهم يقولون: "ها هو يسوع هذا القرن، وقد صلب في الأدغال." قال سارتر، وقد بلغه النبأ: "لقد كان الإنسان الكامل في عصر الناقصين." أما سوزان سونتاغ، فعلّقت لاحقًا: "بموت غيفارا، ماتت الرومانسية الأخيرة للثورة."
وفي ديوان للشاعر البنمي ريكاردو ميريل، نقرأ: "حين مات تشي، بكت الغابة، وخافت المدن من مراياها."
من يموت في معركة عادلة، لا يقتل، بل يحوَّل إلى عار أبدي على القتلة.
ألمانيا بعد الحرب – سوريا القادمة
بعد عام 1945، لم تكن ألمانيا مجرد حقل خراب، بل كانت حطامًا أخلاقيًا، أمة بكاملها تسير وسط رماد التاريخ. لكن نهضتها لم تبدأ حين أعيد بناء البنية التحتية، بل حين فُرض على مجتمعها النظر إلى نفسه في المرآة، كما كتبت أولريكا غويرو Ulrike Guérot في صحيفة Die Zeit: "لم تعُد ألمانيا دولة نازية فقط لأن الحلفاء أعادوا رسمها… بل لأن الألمان اضطروا لمواجهة صورتهم." هذا الجرح لم يشفَ بالمصانع، بل بـ المناهج الدراسية، السينما، الأدب، والاعتراف بالذنب. أدب غونتر غراس وهاينريش بول لم يكن ترفًا ثقافيًا، بل البنية التحتية الحقيقية لولادة ألمانية جديدة. كما قال الفيلسوف يورغن هابرماس: "الديمقراطية الألمانية قامت على شعور بالعار، لا على فخر قومي."
أما سوريا، فحين يتحدث النظام عن الإعمار، فإنه يعني الإسمنت، لا الإنسان. يريد ترميم البنايات لا الثقة، تعبيد الشوارع لا التاريخ. لكن من دون تفكيك سردية الحرب، ووقف الإبادة ضد الأقليات. من دون مواجهة الجرائم، ستبقى البيوت مشيدة… والقلوب مهدومة. فكما يقول هابرماز: "كل وطن لم يعترف بجروحه، سيعيد إنتاجها بلغة أخرى."
الحكمة: لا ينهض وطن من تحت الركام… إن لم ينهض صدقه مع نفسه أولًا.