وداعًا للقرية -٢
2025.05.24
كانت أُمِّي، لاعتباراتٍ صحِّيَّةٍ أرسَاها أَخِي الكبير مُختار، تَستبعدُ من مائدةِ الإفطارِ التِّينَ والحليبَ والزيتونَ، قبلَ سفرٍ ميمونٍ مَشفوعٍ بالغصَّةِ، مُبارَكٍ بالأدعيةِ والتمتمات…
وكُنَّا جميعًا في الرِّيفِ نتحلَّقُ حولَ أطباقٍ من القَشِّ، ونادرًا من النُّحاسِ، مُتربِّعين على بُسُطٍ قُطنيَّةٍ مُزركشةٍ مُوشاةٍ، ونبدأُ طعامَنا بالبسملةِ، ونختمُه بـ"الحمد لله" بصوتٍ مسموعٍ كأنَّه صلاةٌ. فيظلُّ الشُّكرُ في حياتِنا الرِّيفيَّةِ زادًا من الإيمانِ، وتعبيرًا عن الرِّضى، وشوقًا لنهارٍ جديدٍ، حافلٍ بالعَملِ، طافحٍ بالجَنَى....
تُحاولُ أُمِّي كبتَ مشاعرِها وهي تُوَدِّعُني في ذاكَ الصَّباحِ الباكرِ، وتضُمُّني إلى صدرِها بتحنانٍ وهي تُداعبُ خُصلاتِ شَعري، وتَتمتمُ بكلماتٍ تُذيبُ القلبَ رِقَّةً وعذوبةً، ورِثَتْها من أهلِها، ولا تُسمَعُ من أحدٍ سواها، فتنسابُ من عنقِها رائحةُ أُمومةٍ دافئةٌ مُعتَّقةٌ، تتوارى تحتَ طيَّاتِ مِنديلِها الأبيضِ.. فأعبُّ منها نفسًا عميقًا يُشبِهُ عطرَ البَراري أُودِعُه حنايا صدري، وأُخَبِّئُه عميقًا في تلافيفِ دماغي، ثم أستحضِرُه كلَّما انتابَني شوقٌ إليها دفينٌ، أو هزَّ وجدانِيَ لِمرآها عَصْفُ الحنينِ.
ها أنا الآن أَنسَلِخُ كليًّا عن أُمِّي، عن رِفاقي، عن قريتِيَ الجبليَّةِ السَّاحرةِ، وعن هذه الدَّارِ الواسعةِ المُزَيَّنةِ بالوردِ، المُظلَّلةِ بعَرائشِ العِنَبِ، المُنَوَّرةِ بأزهارِ اللَّوزِ، والمُطَرَّزةِ بالمِشمِشِ والكَرزِ...
تلك الدَّارُ القديمةُ التي ورِثْناها عن جدِّي المُستنطِقِ "محمَّد سعود"، ذائعِ الصِّيتِ في مصيافَ وحماةَ، وفيها قُتِلَ غدرًا ابنُه البكرُ "علي"، وفارقتِ الحياةَ باختلاطِ ولادةٍ نادرٍ أُختُنا الكبرى "نوال".. فظلَّتِ الدَّارُ تَختزِنُ في جُدرانِها ذكرياتِ العائلةِ الغارقةَ بالحُزنِ، والمُضيئةَ أحيانًا بمشاعلِ الفرحِ...
وأتساءلُ كطفلةٍ حَكَمَ عليها الزَّمنُ أن تهجرَ طائعةً حِضنَ أُمِّها، مَن يا تُرى سيُرمِّمُ جلدَها الذي انسَلَخَ، وروحَها إن تصدَّعتْ، وقلبَها إذا ما انجرَح...؟؟؟؟
يَتَصدَّرُ والدي المقعدَ الأماميَّ، بجوارِ السَّائقِ في البُوسْطةِ التي تَعُجُّ بالرُّكَّابِ، وتمتزجُ في أجوائِها المُزدحمةِ سُحُبُ الدُّخانِ بهبَّاتٍ من رَوائحِ العَرقِ، لطيفةٍ مقبولةٍ أحيانًا، ونَافذةٍ مُنَفِّرَةٍ أحيانًا أُخرى...
فالناسُ في الأريافِ يُسارِعونَ بارتداءِ الملابِسِ السَّميكةِ تَحَسُّبًا لبرودةِ الصَّباحِ، وخريفٍ يَلوحُ في الأُفقِ، يُلوِّنُ خِلسةً بالأصفرِ بعضَ أوراقِ الشَّجرِ...
غيرَ أنَّ أحاديثَ شائقةً راحَ يَتجاذَبُها الرُّكَّابُ، وهيَ لطرافَتِها غَطَّتْ على روائحِ الدُّخانِ والعَرقِ. تَحكي عن خلافاتٍ ومشاجراتٍ وقعَتْ مؤخرًا على قِسمةِ الماءِ، وهو أمرٌ كثيرُ الحدوثِ، وتُوِّجَتْ بالصُّلحِ أو انتهَتْ بالزَّعَلِ... أو تراها تَهمدُ سريعًا كبركانٍ، مُلَوَّنةً بالابتسامِ، مُجَلَّلةً بالحَياءِ، وهي تزفُّ بَشائِرَ زواجٍ قريبٍ، مُعَلِّلةً نُزولَها إلى المدينةِ لشراءِ جِهازٍ للعروسِ. أو تتَّسِمُ أحيانًا أُخرى بالجدِّيَّةِ وتقطيبِ الجبينَ، إذا تطرَّق الحديثُ عن المرضِ، وزيارةٍ مُلحَّةٍ إلى عيادةِ طبيبٍ، أو تَغدو كئيبةً مُندَّاةً بالدّموعِ لدى وداعِ شابٍّ يُساقُ لخدمةِ العلمِ…
الدُّنيا كلُّها لا تَسَعُني وأنا أَجلِسُ وحدي قربَ أبي. آنَسُ بلُطفِه المعهودِ، ورائحةِ تَبغِه العربيِّ، التي ظلَّتْ طويلًا تُحدِّثُ عن مَقدِمه بعد غيابٍ. وكيفَ تَمتلئُ الدَّارُ بالضُّيوفِ، ويُشَعشِعُ "اللوكسُ" عندَ المساءِ، وتَعبقُ في الأجواءِ رائحةُ القهوةِ المُرَّةِ المُعَطَّرةِ بالهالِ، والتي تُدَقُّ في المِهباجِ، ثم تُطهى وتَملأُ الدِّلالَ... وأروحُ أُفكِّرُ كطفلةٍ تَسبقُ عمرَها: كيفَ لهذا الرَّجلِ الكريمِ الشُّجاعِ، والذي بَنى مَجدَه في مَسقطِ رأسِه والجِوارِ، أن يعودَ ليُشيِّده في مكانٍ بعيدٍ ليس له فيه جذورٌ، فيُضطَرَّ لهَدرِ مالٍ كثيرٍ...
وستُدرِكُ العائلةُ، بعدَ زمنٍ طويلٍ، كلفةَ الغُربةِ والتَّشتُّتِ لهذا البيتِ الذي ارتضى الرَّحيلَ...
تُغادِرُ البُوسْطةُ جِسرَ القريةِ، فأُملِي عيني بكرمِنا قَلْعِ الجسرِ الذي يتَّسعُ لأشجارٍ لا حصرَ لها من المشمشِ، والتِّينِ، والرُّمَّانِ، ويَمتلئُ في شطرِه البَعليِّ بالدَّوالي، فأبتسمُ لذكرياتٍ دفَنتُها في كلِّ شِبرٍ من أرضِه الشاسعةِ، المُمتدَّةِ فوقَ طريقِ "الكرّوسة"، وأسفلَها في كرمٍ ملتفٍ بأشجارِ الللوز والدّوالي، وبستانٍ مرويٍّ يفيضُ بالثّمر وأشهى أصنافِ الخضر. وكيفَ كنتُ أُسابقُ العصافيرَ بنَقرِ بَواكيرِ العِنَبِ المُحمَّرةِ، ونَسهرُ لعدِّ النُّجومِ في فَرشةٍ استقرَّت تَحرسُ المكانَ في أحضانِ مِشمشةٍ مُعمَّرةٍ...
البُوسْطةُ تجتازُ "الكَشْفَةَ" التي تكشفُ للقادمينَ من الجنوبِ رَوعةَ الشلَّالِ الهادرِ المُكَلَّلِ بالشَّجرِ، المُتَدَفِّقِ من ارتفاعٍ شاهقٍ في قريةِ "الزاوي"، بعدَ أن غادرَ قريتَنا الجميلةَ، مَسقطَ رأسِه ومَنبعَ مائِه، ومَجرى نهرِه بينَ البساتينِ والحُقولِ...
أمامَ أنظارِنا تَنداحُ سُهولٌ شاسعةٌ مَروِيَّةٌ، تَتَماهى شرقًا وشمالًا مع سُهولِ الغابِ ذاتِ التّربةِ الخَصبةِ الدّاكنةِ الاحمرار، وتَبرُزُ بيوتٌ لقرًى صغيرةٍ في السَّهلِ أو على المُنحدَرِ...
وأكادُ أَشهقُ من الفرحِ وأنا أَرنو بانِدهاشٍ إلى المَشرِقِ، وأَخشَى على نفسِي أن تذوبَ في حُمْرةِ الشَّفَقِ...
يتبع…
د. فكتوريا فائز سعود
١٨ ايار ٢٠٢٥