كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مابقي من الناقد جابر عصفور في ضمير الروائي علي بدر

علي بدر

لا أتذكر في أي عام بالضبط كنت مدعوا إلى مؤتمر الرواية العربية في القاهرة. وكان من عرف المثقفين السائد آنذاك أن يتجه جميع المدعوين من الروائيين والنقاد إلى مكتب الدكتور جابر عصفور، رئيس المجلس الأعلى للثقافة آنذاك، للسلام عليه. غير أنني لم أفعل، أنا الوحيد الذي لم يذهب، لا لشيء سوى أني أكره الوفود الجماعية الذاهبة للقاء المسؤولين. لكن الدكتور جابر عصفور سأل عني بالاسم، مستغربًا غيابي: "فين علي بدر؟" شخصيا لم ألتق به من قبل، لكنه كتب عني وعن روايتي "بابا سارتر" قبل المؤتمر بفترة.
بعد أن بلغني سؤاله، ذهبت بصحبة صديقي الصحافي سيد محمود إلى مكتبه، وكان لقاؤه بي حارا، مرحبا، ودخلنا مباشرة في نقاش جميل وكان سيد محمود بطيبته وألمعيته المعهودة يوسع النقاش، فكان لقاء جميلا بحيث أوصلني الدكتور بنفسه حتى الباب حين خرجت. إلّا أن هذا الحميمية لم تدم. شيئًا ما تغيّر بعدها. لم يكن الرجل عدائيًا، لكنه اتخذ مني موقفًا باردًا، كأنما سجّل في دفتره أنني لا أخضع لإيقاعات المؤسسات. بقي هذا التوتر الأخلاقي في علاقتي غير المباشرة به، ينمو مع السنوات. فما بين إعجابي بدوره في تأسيس حقل النقد الثقافي الجاد، وقيادته مشاريع الترجمة في المركز القومي، وما بين خيبتي من تحوّله إلى ما يشبه البيروقراطي الثقافي، لم أستطع إلّا أن أرى فيه تلك الازدواجية التي تطبع المثقف الذي تقوده السلطة باسم الحداثة، فيقودها هو بدوره إلى وديان الظنون.
بعد سنوات رأيته في مؤتمر الرواية في القاهرة فبادرته بالسلام، كان ذلك الوقت منغمرا بمعركة مع علاء الأسواني. بدأت القصة حين كتب الأسواني في مقالة يحتفي فيها بتكريمه في فرنسا، لكنه لم يكتفِ بالفخر، بل وجّه سهامه إلى جوائز الدولة المصرية، واصفًا إياها بأنها جوائز فاروق حسني تُمنح بالولاء لا بالكفاءة وأنه كاتب مضطهد في بلاده. كان ذلك كافيًا ليستفز جابر عصفور، والذي يرى في نفسه حارسًا لمؤسسة النقد ومهندسًا لمشروع الدولة الثقافي، فكتب في "الأهرام" مقالة بعنوان "افتراء كاتب مصري بمناسبة تكريم فرنسي"، شنّ فيها هجومًا لاذعًا، متهمًا الأسواني بالكذب، وبأنه يعيش على وهج إعلامي و"يدّعي الاضطهاد". قال بنبرة استخفاف: "الأسواني يكتب في جريدة يومية، وروايته تحوّلت إلى فيلم ومسلسل. أين هو القمع إذن؟".
لم يصمت الأسواني. ففي حوار موسع مع صحيفة "الشروق"، ردّ بحدّة قائلًا إن جابر عصفور "بدأ ناقدًا كبيرًا وانتهى حامل أختام الوزير". وأضاف ساخرًا أن جائزة الدولة التقديرية لا تشرفه لأنها تُمنح، على حد تعبيره، وفق معايير أمنية، لا أدبية. وهاجم جابر عصفور شخصيًا، ملمّحًا إلى قبوله جائزة القذافي في الأدب، التي رفضها الكاتب الإسباني خوان غويتيسولو لأسباب أخلاقية.
في مقابل ذلك، لم يخفِ جابر عصفور ازدراءه لما وصفه بالرواية الرائجة ويقصد بها كتابات علاء الأسواني، وهذا التعبير ذكره أمامي في توصيف علاء الأسواني. بعدها لم أره مطلقا حتى وفاته رحمه الله.
لكن لحظة جابر عصفور الأشد كثافة لم تكن في هذا اللقاء الشخصي الذي ذكرته، بل حين قبل، ثم ندم، على قبول جائزة القذافي للأدب. كان ذلك عام 2009. الجائزة قُدِّمت باسم "جائزة القذافي العالمية للآداب"، ومنحت له تقديرًا لكتابه عن نجيب محفوظ. قبل الجائزة وذهب إلى طرابلس لتسلُّمها.
قوبل الأمر بموجة استنكار واسعة، ليس من أوساط معارضة، بل من كتّاب عرب رأوا في الجائزة بحد ذاتها، مهانة رمزية، كونها تصدر عن نظام قمعي استخدم حقوق الإنسان غطاءً للهيمنة. الروائي الإسباني الكبير خوان غويتيسولو، الذي رُشّح للجائزة في العام نفسه، رفضها برسالة أخلاقية باهرة، قال فيها: "لا أقبل جائزة من رجل اغتصب شعبه، فالقيم الأدبية لا تُسند إلى أصنام سياسية". أما جابر عصفور، فقد دافع، وقتها، عن الجائزة، واعتبرها أدبية بحتة، لا علاقة لها بالقذافي السياسي. لكن بعد سقوط نظام القذافي، وتحديدًا في 2011، أعلن جابر عصفور، وبكثير من التبرير، تنازله عن الجائزة، وصرّح بأنه لا يشرفه الاحتفاظ بجائزة تحمل اسم "سفّاح"، على حد تعبيره.
لم تكن المفارقة في التراجع، بل في زمنه. أن تتذكّر القيم حين يسقط الحاكم، تلك ليست فضيلة، بل مراوغة.
جابر عصفور كان مثقفًا ذا مشروع، لكنه ارتضى أن تبتلعه الدولة حين ضاق بها المثقفون المستقلّون. خدم الثقافة بقدر ما قادها إلى الهوان. وكان بإمكانه أن يكون ضميرًا نقديًا لهذا العصر، لولا أنه أدار هذا الضمير في أروقة السلطة، ونقله من محراب الثقافة إلى غرف الجوائز. لم يكن مجرد ناقد أدبي، بل حارس سردية رسمية، وعرّاب مؤسسة، ورجلٌ عرف كيف يدير اللعبة، لكنه خسر، في لحظة الحقيقة، رهان الموقف. وهذا ما بقي في نفسي.
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"
حسن الخير: "لوركا العرب" الذي قطّعوا لسانه فخلدت كلمته
الأديب السوري مفيد أحمد يحصد المركز الأول في جائزة «وولت ويتمان» الدولية بقصة تجسد جراح الإنسان بعد الحرب