أُبي حسن: هل الإسلام دين عنف وتخلّف؟
شهدت صفحات الفيسبوك, وحتى بعض الفضائيات الناطقة بالعربية (الحياة, مثلاً) خلال السنوات الثلاث الماضية, حملة شعواء ضد الإسلام, متهمينه مداورة أو مباشرة بأنه سبب العنف والتخلّف الذي تشهده المنطقة! وقد ازدادت هذه الحملة ضراوة, مع ارتفاع منسوب الدم في سوريا وغيرها من بلدان مرّ بها ربيع المتأسلمين, ذلك على خلفية الجرائم البشعة والمجازر الجماعية التي يرتكبها ثوار حلف الناتو وذراعه القذرة أي "الجهاديين" على مختلف مسمياتهم.
قبالة ذلك, حاول الإعلام الموالي للدول والحكومات والأنظمة المتضررة من تلك الجرائم وذاك الإرهاب إسقاط صفة الإسلام عن "الجهاديين", حاشداً معظم إمكاناته لتعرية هؤلاء, باذلاً جهده لتوضيح مفهوم الجهاد, ليخلص إلى نتيجة –يكرر من خلالها مقولاته مفادها أنّ الإسلام دين رحمة وتسامح, وهاتان المفردتان هما عملياً ما تستفزان الناقمين على الإسلام في ظل هيمنة (ومحاولة تكريس) ثقافة قطع الرقاب تحت شعار: "الله أكبر", خدمة لطرف خارجي معلوم.
نعم, يوجد في التراث الإسلامي (مع تمييزنا التراث عن الدين) الكثير من العنف, فثمة نحو 137 خليفة وأميراً قضوا نحبهم ذبحاً, بعضهم خلال المرحلتين الأموية والعباسية (راجع "من تاريخ التعذيب في الإسلام" لهادي العلوي), لأجل السلطة. ويمكن أن يضاف إلى هذا, العنف الذي مارسه بعض بني أمية والعباس ضد بعض آل بيت الرسول. وكذلك العنف الذي جابه به الحجاج بن يوسف الثقفي حركة عبد الله بن الزبير وهو عنف انتهى إلى حد قصف معه الأول البيت الحرام بالمنجنيق كون ابن الزبير احتمى به سنة 73هـ, وكذلك مآل ثورة الزنج 255- 270هـ في البصرة, وقبل هؤلاء كلهم يكفي أن نتذكّر أن ثلاثة خلفاء راشدين ماتوا قتلاً! وهلم جرا.
وقائل يقول بزهو: "إن العنف موجود في النص القرآني, وليس فقط في التراث", ولتأكيد سعة اطلاعه يستشهد ببضعة آيات تتضمن ألفاظاً تحضّ على القتال بما ينطوي عليه من عنف و هم محقون بـ"زهوهم" هذا, وما يشفع لهم هو ضحالة وعيهم من جانب, وقلّة اطلاعهم من جانب آخر, وأخشى القول: حقدهم الأعمى على الإسلام. ومن هذي الآيات التي يسوقونها: "إنّما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف.." (المائدة- 5/33), "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين" (التوبة- 9/14- 15), يستشهدون بها وبمثيلاتها هكذا, دون دراية منهم بما سبقها من آيات وبما لحق بها! ليحكموا من خلالها على "فساد" دين محمد (ع) "بالاستناد إلى آيات لا يتجاوز عددها أصابع اليدين والتغاضي عن نهج واسع استغرق شرحه 6236 آية" بحسب تعبير د. أحمد عمران الزاوي. وكأنني بهم في "فهمهم" ذاك يقرأون قوله تعالى: "لا تقربوا الصلاة" ثم يصمتون, بمعنى أنهم لا يجهدون أنفسهم بقراءة ما قبلها ومابعدها, ولا حتى قراءة آيات الجهاد في سياقها التاريخي كاستبسالهم في ذم الإسلام وقدحه, وهم بهذا لا يختلفون كثيراً عن جبهة النصرة وداعش, مهما تتدثروا برداء علماني.
نعم, حفلت كتب التراث بالكثير مما يسيء إلى الإسلام ونبيه (بما في ذلك ما نُسب إليه من عنف ورضاعة الكبير وتفخيذ للرضيعة (وهذه الأخيرة من ابتكارات آية الله الخميني), وغيرها الكثير من الأحاديث الموضوعة والمنحولة), لكن علينا أن نعلم أن أول كتاب كُتب عن الإسلام هو (ربما) طبقات ابن سعد المولود 168هـ, وقد كان ذلك سنة 207 للهجرة (ترجيحاً), وإذا كنّا نشاهد وندرك راهناً كيف يقوم الإعلام, أي إعلام لا على التعيين, بالكذب والتدليس والخداع –بمختلف أشكاله البصرية والسمعية والمقروءة- خدمة لأغراض سياسية, فليس من الصعب علينا وضع احتمال كيفية وضع الكثير من الأحاديث المنسوبة للرسول لأغراض سياسية خدمة للسلاطين الذين وُضعت في عهدهم, والأرجح أنّ بعضها دُون بسبب قلّة إلمام ومعرفة المدونين التراثيين (أياً كانوا) بعلم التاريخ, وهذا أمر طبيعي. نذكر هنا ما يزعمه الرواة عن البخاري (194-256هـ) وجمعه لما يزيد عن 600 الف حديث للرسول, انتقى منها في نهاية المطاف أكثر من 7500 حديث. السؤال, في حال صحّ قول البخاري: كم سنة يحتاج البخاري لتدقيق نحو 600 ألف حديث كي ينتقي منها في نهاية الأمر ما حفل بها "صحيحه"؟ وإذا كان تدقيق كل حديث يحتاج لنحو نصف ساعة من الزمن, فبعملية حسابية بسيطة نستنتج إنّه يحتاج إلى أكثر من مائة عام لذلك الغرض, وهو لم
يعش سوى ستين عاماً؟! وهذا أمر مناف للمنطق ويتعارض مع الطبيعة, عدا عن جهلنا بالأدوات المعرفية التي استعان بها البخاري (وأمثاله) لأجل ذلك الغرض!
وبمعزل عن هذا وذاك, إذا كانت بضع آيات هي المبرر القاطع للعنف من وجهة أولئك المتثاقفين, فلماذا لا تكون الآيات التي تدعو إلى مكارم الأخلاق بين الناس عامة والمسلمين خاصة هي السبب الرئيس في حسن أخلاق آخرين كثر من المسلمين؟ نسوق ذلك انطلاقاً من مجاراتنا لأولئك الرهط الزاعم إنّ المشكلة في النص القرآني وليست في مكان آخر! ولو كان الأمر غير ذلك, فلماذا لا يكون انعدام وجود العنف والجهاد في الأناجيل المنسوبة للسيد المسيح(ع) حافزاً لجعل كل مسيحي في العالم عبارة عن نبي محبة وملاك رحمة؟!
فالدين المسيحي لا ينطوي في تعاليمه على أي ملمح من ملامح العنف(لنتذكر أن نشأته كانت في بيئة مدنية نسبياً وليس في بيئة صحراوية بدوية كما هي حال النشأة المحمدية), هكذا يقول من يستبسل في اتهام الإسلام لتبرير وجهة نظره السلبية حياله.. الدين المسيحي لا ينطوي على عنف, لا بل إن الكتاب المقدّس يقول: "من ضربك على خدك الأيمن فأعطه خدك الأيسر". وحاز الدين المسيحي على صفة "دين المحبة", لكن هل منعت هذه المحبة الإفرنج من شن الحروب باسم الصليب على منطقتنا واحتلالها نحو قرنين من الزمن 1096- 1291م, بكل ما رافق هذه الحروب من كوارث ومجازر!؟ وهذا اللاعنف الذي تخلو منه الأناجيل هل منع المسيحيين (الكاثوليك والبروتستانت) من ارتكاب المجازر ضد بعضهم طوال أعوام 1618- 1648م في ألمانيا, وهل وقفت حائلاً دون وقوع الحروب الدينية في فرنسا من عام 1562 حتى 1598م, أو حتى في الماضي القريب كالعنف الذي شهدته بعض مكونات الشعب الانكليزي؟..
اللاعنف ذاته, لم يمنع دولاً أوربية وأمريكية, تفخر في المحافظة على جذورها المسيحية, من أن تشن الحروب على أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا راهناً, والفيتنام سابقاً, مع كل ما خلّفته تلك الحروب من كوارث بشرية وإنسانية! لو كانت المشكلة في الدين بحد ذاته لحُقّ لنا أن نسأل: لِمَ كان من يعتنقون أو ينحدرون من المسيحية يقومون بالعنف راهناً (وسابقاً)؟ ولو كان الإسلام في جوهره دين تخلّف وعنف لِمَ استطاع معتنقوه أن يشيدوا نهضة ثقافية جبارة (قياساً بزمانها) في عهد المأمون على سبيل المثال! في وقت كانت تعيش فيه أوربا, وعلى الصعد كافة, أرذل العمر؟
عندما كانت الأمة العربية ناهضة, لم يكن ثمة وجود للتعصّب أو التزمت في منطقتنا, بدليل المناظرات العلمية التي كانت تجري في حضرة المأمون لا بل في قصره, حتى إن مثل هذه المناظرات جرى شبيهها بين الإمام محمد عبده والعلّامة فرح انطون منذ نحو مائة وعشر سنوات, والأمر نفسه في انتقاد أمين الريحاني للدين ورجاله دون أن يتمّ تكفيره من قبل أي منهم, على العكس فقد كانت تربطه صداقات طيبة مع بعضهم!(راجع مقدمة الدكتور العلّامة محمد رضا الشبيبي لكتاب "قلب العراق" لأمين الريحاني). أميل إلى الاعتقاد أن السبب في رحابة صدر المجتمع العربي والإسلامي (بما فيه الدين ورجاله), في مراحل الحضارة والنهوض, وتقبله للإنتقاد أياً كان نوعه, كان مرده إلى أن الأمة إما كانت صانعة حضارة (عصر المأمون, مثالاً) وإما كانت تتلمس طريقها في النهوض (مناظرات عبده وأنطون, ومناكفات الريحاني, مثلاً), هذا ما يفسر تلك الرحابة منقطعة النظير في قبول المختلف والحوار معه دونما تحفظات. ولو كانت المشكلة في الدين كدين, لما كنا شاهدنا ما سبق أن ذكرناه لا في هذا الجانب ولا ذاك! في حين تزامن التكفير والهوس به مع مرحلة الانحطاط العربي التي كانت بواكيرها في قاصمة الظهر 1967 في حرب الأيام الستة, وماتلاها من سني قحط لمْ نزل نعيش على ما تبقي من يباب خلّفته.
سبق أن قال كارل ماركس مقولة مفادها: "عندما تكون الصراعات الطبقية غامضة فإن الدين هو الدريئة التي يصوب إليها", صحيح أنّه لا يوجد صراع طبقي في منطقتنا باعتبار أن الغالبية تنتمي إلى طبقة الفقراء, وهذا ما يفسر لنا لانهماك الشعبي بالدين والتدقيق في تفاصيل مملة فيه وصولاً إلى قراءة النص الديني بما يتناسب مع الأهواء ونزعات النفوس المحطّمة قبل الاهتمام بالمصالح الجامعة المانعة, ولنتذكر أن المجتمعات العربية والإسلاميّة من خلال انسحابها –بسبب الهزائم المتلاحقة- إلى الماضي, والمكرّس في الأذهان منذ قرون, تعيش مرحلة نكوص وهو وسيلة من وسائل الدفاع النفسي؛ وقد تم توظيف ذلك الانسياق والانجرار الشعبي وشبه الجماعي للدين من قبل قوى خارجية (وداخلية مُوظَفة لدى خارج ما) بما يتناسب ومصالح الخارج المهيمن
والمُستعمِر.
لا يتسع المجال لذكر ما نادى به برنارد لويس في خمسينيات القرن الماضي عندما اعتبر الإسلام خطرا ويجب العمل على هدمه من الداخل, وما قاله جورج بوش الأب بعيد سقوط الاتحاد السوفييتي بأن العدو القادم هو الإسلام! وما بشّر به هنتنغنون في صراع الحضارات بخصوص الإسلام, وقبله وبعده منظرون وساسة غرب كثر.
ختام القول: الدين كدين (نستثني الدين الوهّابي التلمودي الدموي) لا علاقة له في التقدّم والتخلّف, لكن يتم توظيفه واستغلاله من قبل الأمم المنتصرة بما يتناسب ومصالحها؛ فرفقاً بنا وبعقولنا أيّها المتعلمنون.