معن حيدر: "سبارتاكوس" محرر العبيد
كنت أقرأ عن الملكة السورية الآشورية "سمورات" (حُرِّف الاسم فيما بعد إلى الإغريقية ليصبح سمير اميس)، التي عاشت بحدود العام 800 قبل الميلاد وحكمت "نينوى" لمدة طويلة.. أقول كنت أقرأ عن تلك الملكة وعظمتها، عندما عادتْ بي الذاكرة إلى ريعان الشباب وأيام السينما في أوج مجدها في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، والسينما في يبرود والأفلام التي كانت تعرضها في ذلك الوقت...
تعرّفتُ إلى السينما أول مرة في المرحلة الإعدادية، وكان ذلك في دمشق عندما حضرتُ الفيلم الشهير (لحن الموسيقى) في سينما (أمير)، بهرني الفيلم وشدني إلى ذلك الفن الرائع فن السينما، وبعدها صرتُ من عشّاقها، وصرتُ أرتادها اسبوعياً تقريباً، وحضرتُ أروع الأفلام مثل (متاعب مهنة) (ماذا فعلتم بسولانج) (الشحاذ لمحمود مرسي وسهير المرشدي)، أفلام لويس دي فونيس، وموجة الأفلام الإيطالية الحديثة (مثل القط ذو الأذيال السبعة)، وغيرها الكثير.. واستمر ذلك حتى منتصف الثمانينيات عندما بدأتْ السينما تفقد بريقها مقابل التلفزيون...
أما في يبرود فقد كنت أحضر السينما في الصيف مع بعض الأصدقاء، وذلك في المرحلتين الإعدادية والثانوية، وكان هنك سينما وحيدة في يبرود أعتقد أنها بنيت في الستينيات، وكانت تعتمد على الأفلام الجماهيرية (ذات العائد المادي الأكبر) أكثر من اعتمادها على الأفلام النوعية التي لها جمهورها اليبرودي أيضاً وكانت تعرضها بين الحين والآخر..
ومن الأفلام التي كنّا نحضرها ونستمتع بها تلك الأفلام التاريخية مثل: سمير اميس، وهرقل وماشيستي وسبارتاكوس محرر العبيد، التي تتناول المكائد والصراعات التي كانت تدور في دهاليز القصور والاقتتال في ساحات الحرب وفي ملاعب المصارعة..
كنا نحضر في البلكون (كان سعر التذكرة نصف ليرة في الصالة وثلاثة أرباع في البلكون) وكنا في الاستراحة ننزل إلى مدخل السينما لنتناول السندويش والكازوز من الدكان المفتوحة من الجانبين إلى الطريق العام وإلى مدخل السينما، كنت أحب سندويشة البيض مع اللبنة (كا ثمنها ربع ليرة)..
وأكثر ما كان يشدّنا في تلك الأفلام، الأبطال الأشاوس الذين كانوا يخوضون صراعات متعددة ينتصرون فيها في النهاية ويتزوجون البطلة.. وكم كنا نصفّق بحرارة لانتصاراتهم، ونحزن لِما يتعرضون له من مكائد أحياناً، أو حين يُغلبون أو يُأسرون.. وأذكر مرة أنّ الممثل المصري الشهير (أحمد رمزي) ظهر في مشهد بأحد الأفلام لا يتجاوز ثوانٍ محدودة مكبلاً بالأصفاد وهو يجرّ الصخور مع رفاقه العبيد، (فدبّتنا الحماسة العروبية) واشتعلت السينما كلها بالتصفيق والصفير الحاد..
ولكنّ الأطرف من ذلك كله، كان وجود أحد الأشخاص البسيطين بشكل يومي في السينما، وكان جارنا في الحي ولكنّه أكبر منا عمراً، ورغم أنّه كان يحضر السينما كل يوم، أي أنه يشاهد الفيلم الواحد على مدى اسبوع كامل، إلا أنه كان ينفعل مع الأحداث كأنّه يحضرها أول مرة، فكان يصرخ غضباً عندما ينكسر البطل أو عند مرور (قطعة مونتاج) لمنظر جريء، ويعلو صوته هادراً، أما صوت كفيه وهو يصفق فكان يرجّ الصالة رجاً، فتشتعل السينما بالضحك وأحياناً بالصراخ الغاضب لإسكاته لأنهم يريدون متابعة الفيلم..
واتفق أننا التقيناه مرة على باب السينما قبل أن ندخل، سلم علينا بحرارة على أساس أننا جيرانه، ودخلنا معاً، وكان معنا أحد الأصدقاء الظرفاء فتأبطه وطلب منه أن يقعد معنا في البلكون.. جلسنا في البلكون في الصف الأول وأمامنا الجدار الاسمنتي الصغير الذي يحجزنا عن الفراغ أمامنا، وجلس رفيقنا بجواره، وبدأ الفيلم، وكان مكتوب على المانشيت (محرر العبيد) ولكننا اكتشفنا بعد مرور دقائق أنه نفس فيلم سبارتاكوس الذي شاهدناه منذ اسبوعين.. تململنا وكدنا أن نغادر، إلاّ أنّ صديقنا أصرّ على البقاء وبجواره جارنا الذي بدا يتفاعل مع الفيلم ببطء.. بدأ صديقنا بتحريضه همساً على (...) عارض الأفلام الذي كان يجلس في غرفة صغيرة خلفنا فيها آلة العرض التي تطل عدساتها من نافذة مفتوحة على البلكون مسلّطة الفيلم على الشاشة، قال له: هيدا الملعون... هو اللي بأطّع المنوظر.. شوف شو ملعون.. فكانت ردة فعل جارنا هذه المرة عنيفة تجاه عارض الأفلام (...)، فالتفت إلى النافذة وصاح بأعلى صوته: وليييي.. لا تأطّع شي من المنيظر اليوم خلينا نبلّ ألبنا شوي... يخربّ بيتك شو إبن حروم..
فمد عارض الأفلام رأسه من النافذة ونهره بقوة وهدده أنه سيقطع الفيلم كله (كان يعرفه ويعرف مدى بساطته)...
وبعد، قليل أخذ صديقنا يحمّسه قليلاً قليلاً وبشكل تصاعدي مع الأحداث، فكان كل فترة يقول له: اشتلأ (أي أنتبه) اشتلأ شو بدو يصير.. فكان جارنا يصرخ بقوة وبدون انتباه: يا مشحور يا مشحور ويصفّق.. إلى أن تصاعدتْ الأحداث وبدأتْ المكائد، وأهمها عندما حاول أحد جنود (سبارتاكوس) مباغتته من الخلف لقتله بتحريض من أحد قوّاد الملك.. فنبهه صديقنا لذلك هامساً: شوف هيدا شو بدو يسوّي للبطل يا معتّر بدو ياتلو... فصاح جارنا بأعلى صوته بسبارتاكوس: لك انتبيه من وروك.. انتبيه يا معتّر جيي يأتلك.. لك انتبيه يخربّ بيتك شو دب.. وعندما انتبه سبارتاكوس بآخر لحظة وقتل غريمه، أخذته نشوة الفرح لأنه هو الذي نبّه البطل، فأخذ يصفّر ويصفّق ويخبط برجليه على حائط البلوك أمامنا حتى كاد يرميه على جمهور الصالة تحته...
وهكذا... وفي منشور قادم سأروي لكم قصة الملكة السورية الآشورية "سمورات"