بين البحر والقمح
2026.05.06
د. غسّان القيم
ترتيلة الصباح اليوم سنرفعها هذه المرّة إلى مرتبة الحكاية
حكايةٍ تُروى كما لو أنّها وُلدت في معابد أوغاريت.
بين البحر والقمح
بين الدعاء والمطر
في ذلك الهزيع الأخير من الفجر
حين كانت النجومُ تنطفئ كقناديلَ أنهكها السهر.
وقفَ الناسُ على عتبات المدينة
ينظرون إلى السماء
كأنهم ينتظرون جوابًا تأخّر آلاف السنين.
قال الكاهن وقد لفحتهُ رياحُ الأزمنة:
"إذا صمتَت السماء فابحثوا عن صوتها في قلوبكم.
فإنّ الآلهة لا تغيب.
بل تختبئ في الذين نسوا كيف ينادونها"
ومن بين الجمع
خرج فتىً لم يبلغ اسمهُ بعد.
يحمل في عينيه قلقَ البدايات
وفي صدره نارًا لا يعرف لها تفسيراً .
تقدّم نحو المعبد،
حيثُ الأعمدةُ ترتجف من ثقل الصلوات القديمة.
وحيثُ ظلُّ بعل
ما زال عالقًا بين حجرٍ وسماء.
رفع الفتى يديه
لكنّه لم يقل شيئًا.
فالكلماتُ خانته.
أو لعلّها عادت إلى أصلها الأول
صمتًا يشبهُ الخشوع.
وهنا
تحرّك الهواءُ كأنّه تذكّر اسمه
وانحنت السنابلُ رغم عطشها
وارتجف البحرُ في البعيد.
كأنّ قلبًا عظيمًا بدأ يخفق من جديد.
صوتٌ لم يُسمع
لكنه فُهِم
وعدٌ لم يُرَ
لكنه أُحِسّ
ثم
انشقّ الأفقُ عن غيمةٍ وحيدة
غيمةٍ جاءت كرسالةٍ من زمنٍ لا يموت
وتبعها المطر
خفيفًا في البدء
كأنه يخشى أن يوقظ الذاكرة دفعةً واحدة
ركع الناسُ
لا خوفًا
بل اعترافًا بأنّ الحياة
تبدأ دائمًا من الهشاشة.
أما الفتى
فبقي واقفًا
تغسلهُ السماء
وتنحتُ في ملامحه أولَ حكاية.
وعندما أشرقت الشمس
لم تكن المدينةُ كما كانت
ولا الناسُ كما كانوا.
فقد أدركوا
أنّ الآلهة لا تسكن المعابد وحدها.
بل تولد في لحظة صدق.
في قلبٍ يرتجف
وفي دعاءٍ لا يُقال
ومنذ ذلك اليوم
صاروا إذا جاء الهزيع الأخير من الفجر
لا ينتظرون المطر فقط
بل ينتظرون أنفسهم
حين تعود.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎
الصورة المرفقة بعدستي بوابة القصر الملكي الحصن المحصن لمدينة اوغاريت الأثرية مع إشراقات شمس الصباحات الأولى