كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

“أرض الصومال” (صوماليلاند)

نبيه نبهان

جمع المادة وأرسلها بالواتس د. نور الدين ناصر من الصومال حيث يعمل.
مفارقة تاريخية وسياسية مهمّة: كيف انتقلت “أرض الصومال” (صوماليلاند) من خطاب قومي وحدوي إلى مشروع انفصالي؟
الجواب لا يكمن في سبب واحد، بل في تراكم تاريخي وسياسي ونفسي يمكن تفكيكه على عدّة مستويات:
أولاً: الجذور التاريخية المختلفة
صوماليلاند كانت مستعمرة بريطانية، بينما كان الجنوب (الصومال الإيطالي) تحت الاستعمار الإيطالي.
عند الاستقلال عام 1960، تم الاندماج بسرعة وبحماس قومي دون صياغة دستور توافقي متوازن يراعي الفوارق الإدارية والمؤسساتية.
عملياً، شعر الشمال منذ السنوات الأولى أن الدولة الجديدة تُدار بعقلية جنوبية مركزية.
ثانياً: خيبة المشروع الوحدوي المبكر
رغم أن نخب الشمال كانت من أكثر الداعين لوحدة “الصومال الكبير” (Ogaden – جيبوتي – NFD)، إلا أن:
مؤسسات الدولة (الجيش، الإدارة، الموارد) تمركزت في مقديشو.
تم تهميش الكفاءات السياسية والإدارية الشمالية نسبياً.
الاستفتاء على الدستور 1961 رُفض بأغلبية في الشمال، لكن النتيجة فُرضت.
هنا بدأ الشرخ النفسي: وحدة بلا شراكة حقيقية.
ثالثاً: عهد سياد بري والانكسار الحاسم
هذا هو العامل المفصلي.
في السبعينيات، دعمت صوماليلاند بقوة مشروع الدولة المركزية القومية.
لكن بعد هزيمة 1977 (حرب أوغادين)، بدأ النظام:
يمارس قمعاً ممنهجاً ضد الشمال.
يستخدم القوة العسكرية المفرطة.
قصف هرجيسا وبُرعو (1988) شكّل صدمة وجودية:
آلاف القتلى.
تدمير مدن كاملة.
شعور جماعي بأن الدولة تحولت إلى عدو.
هنا تحوّل السؤال من:
كيف نُصلح الدولة؟
إلى: هل هذه الدولة تمثلنا أصلاً؟
رابعاً: انهيار الدولة عام 1991 و”الطلاق السياسي”
عندما سقط نظام سياد بري، انهارت الدولة الصومالية كلياً.
الجنوب دخل في فوضى الميليشيات.
في الشمال:
اختارت النخب القبلية والسياسية إعادة بناء كيان محلي.
إعلان “العودة” إلى حدود 1960 (وليس إنشاء دولة جديدة من الصفر).
من منظورهم:
لم ينفصلوا عن دولة قائمة، بل انسحبوا من دولة منهارة.
خامساً: الفشل الاتحادي لاحقاً
حتى بعد قيام النظام الفيدرالي:
لم ترَ صوماليلاند ضمانات حقيقية:
لا عدالة انتقالية.
لا اعتراف بجرائم الماضي.
لا شراكة واضحة في السلطة والثروة.
الفيدرالية جاءت متأخرة، بعد أن بنت صوماليلاند:
مؤسسات.
أمن نسبي.
هوية سياسية مستقلة.
سادساً: البُعد النفسي والهوياتي
لا يمكن تجاهل:
ذاكرة جماعية جريحة.
شعور بالكرامة المستعادة عبر الاستقرار.
خوف من تكرار تجربة الدولة المركزية.
الانفصال هنا ليس فقط سياسياً، بل:
انفصال ثقة قبل أن يكون انفصال حدود.
خلاصة القول:
أرض الصومال لم تبدأ كمشروع انفصالي، بل:
بدأت قومية وحدوية.
تحولت إلى إصلاحية غاضبة.
ثم إلى كيان انفصالي دفاعي.
بعبارة مكثفة:
لم تنفصل صوماليلاند لأنها كرهت الوحدة،
بل لأنها فقدت الإيمان بالدولة التي قامت باسم الوحدة.