التقت بأبنائها الـ6 من الحياة السابقة
2025.09.25
أبو حسام حرب
في عام 1953، ولدت فتاة انجليزية عادية تدعى جيني كوكيل، لكن ما إن بدأت تكبر حتى أدركت أن طفولتها لم تكن عادية أبدا. فمنذ سنواتها الأولى، كانت تطاردها كوابيس وصور مشوشة عن مو-ت امرأة غريبة، ألم شديد في الصدر، غرفة بيضاء يملؤها الضوء، نافذة قديمة، وإحساس ساحق بأنها تترك أطفالا خلفها، أطفالا تبكي عليهم وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة. لم تكن تلك مجرد أحلام عابرة، بل ذكريات متكررة ومؤلمة كانت تعيشها الطفلة ليلا ونهارا. ومع مرور الوقت، أصبحت أكثر وضوحا: وجوه أطفال، كوخ صغير وسط الأشجار، بلدة ريفية غامضة لم تزرها من قبل، لكنها شعرت أنها تعرف كل زاوية فيها.
وفي المدرسة، وبينما كانت تتصفح الأطلس الجغرافي، انجذبت عيناها فجأة نحو خريطة أيرلندا. وضعت إصبعها على بقعة محددة دون تردد: مالهد، بلدة صغيرة شمال دبلن. شيء غامض بداخلها أخبرها أن هذا المكان ليس غريبا، بل بيتها في حياة أخرى. مرت السنوات، تزوجت جيني، وأنجبت طفلين، لكن أحلامها لم تختف. على العكس، إنجابها أعاد إليها ألم تلك المرأة المجهولة التي كانت تبكي على أطفالها.
وفي عام 1988، اتخذت قرارا جريئا سيغير حياتها إلى الأبد: السفر إلى أيرلندا بحثا عن ماضيها. وما إن وصلت جيني إلى مالهد حتى ارتجف قلبها، كل شيء بدا مألوفا: الأزقة، الأشجار، رائحة الهواء. ثم عثرت على الكوخ الذي رأته طوال طفولتها. كان مهجورا ومتهدما، لكنه بالنسبة لها لم يكن مجرد أطلال، بل بيتا شهد دموعها في حياة أخرى. انهالت عليها الذكريات كالطوفان: امرأة تدعى ماري، أم لثمانية أطفال، وزوج تركها تعاني المرض والوحدة حتى المو-ت. أدركت جيني أن هذه المرأة لم تكن سوى هي في حياتها السابقة. كتبت رسالة إلى مالك الأرض طالبة المساعدة، وجاء الرد سريعا: هذا الكوخ كان لعائلة سوتون في الثلاثينيات، الزوجان جون وماري وأطفالهما الثمانية. ارتجفت جيني، الاسم الذي كان يطاردها في أحلامها صار الآن حقيقة مكتوبة. لقد كانت ماري سوتون، الأم التي ما-تت حسرة على أطفالها، وعادت روحها في جسد جيني كوكيل. بدأت رحلة البحث المضنية عن أطفال ماري سوتون. كتبت إلى الكنائس ودور الأيتام، حتى وصلها رد من أحد القساوسة بسجلات تشير إلى ستة من الأطفال: جون، فيلومنا، كريستوفر، فرانسيس، بريجيت، وإليزابيث. لكنها كانت واثقة أن هناك طفلين آخرين. نشرت إعلانا في صحيفة دبلن بأسماء الأبناء. وبعد أيام، رن الهاتف، كان على الخط رجل في الخامسة والستين يدعى جون، ابن ماري سوتون. لم يصدق ما سمع: كيف تدعين أنك أمي؟ لكنه أعطاها أرقام أشقائه سوني وفرانسيس. كان اللقاء الأول الحاسم مع سوني في عام 1990، حين تحدثت معه جيني وذكرت تفاصيل دقيقة عن طفولته وعن بيتهم القديم وعن مواقف خاصة لم يعرفها أحد سواه وأمه الراحلة. أغلق سوني الهاتف، جلس مذهولا، نظرت زوجته إليه وسألته بدهشة: ماذا جرى لك؟ فأجاب بصوت مرتجف: أظن أنني كنت أتحدث للتو مع أمي! لم يتوقف الأمر عند المكالمات، بل جاء اللقاء المباشر. عندما التقت جيني بأبناء ماري وجها لوجه، كان المشهد مؤثرا إلى حد لا يصدق. دموع انهمرت، صمت ثقيل، ثم كلمات مرتعشة خرجت من أفواه الأبناء الذين كبروا وعاشوا يتامى: لقد عدت إلينا يا أمي. لم يكن الأمر مجرد كلمات عابرة، بل اقتناع عميق ولحظة صادمة عاشها الجميع. أبناؤها وجدوا في جيني صدى روح والدتهم، وجيني وجدت أخيرا الأطفال الذين عاشت حياتها تتألم لفقدهم. لم تحاول أن تأخذ مكان أمهم أو تفرض نفسها، لكنها صارت بالنسبة لهم جسرا بين الماضي والحاضر.
وفي عام 1993 نشرت كتابها الشهير Across Time and Death، الذي أثار ضجة عالمية وأصبح مادة لبرامج ووثائقيات ونقاشات لا تنتهي. العلماء والباحثون انقسموا: هل ما حدث دليل حي على التناسخ وعودة الأرواح، أم أن العقل البشري قادر على خلق أوهام مطابقة للواقع؟ لكن مهما اختلفت الآراء، فإن النهاية كانت مغلقة بشكل غريب: الأم التي ماتت مقهورة عادت بعد عقود طويلة لتطمئن على أطفالها، والأبناء الذين عاشوا عمرا من اليتم وجدوا في امرأة أخرى بصيصا من الحنان الذي فقدوه. جيني كوكيل عاشت حياتين في جسد واحد، وظلت قصتها لغزا يثبت أن الحقيقة أحيانا قد تكون أغرب من الخيال.
وفي عام 1994، تحولت قصتها إلى فيلم تلفزيوني بعنوان Yesterday’s Children (أطفال الأمس)، عرض على شاشات العالم وجسد تفاصيل حياتها السابقة ولقاءها المثير مع أبناء ماري سوتون، ليمنح قصتها بعدا دراميا أكبر ويثير دهشة الملايين.
ويبقى السؤال الذي لا يملك أحد إجابة قاطعة له حتى اليوم: هل يمكن للروح أن تعود فعلا لتكمل ما لم تستطع إنهاءه في حياة سابقه!