مروان حبش: حركة 23 شباط 1966- القسم الثالث
2020.02.24
18تشرين الثاني 1963وسقوط حكم الحزب في العراق
كانت بعض قواعد الحزب وقياداته تتهم الأمين العام بالعمل الحثيث للتخلص من الاتجاه اليساري الذي ظهرت ملامحه في المؤتمر القومي السادس، وأن الأحداث التي جرت في العراق ما بين 11و 18 تشرين الثاني 1963، كانت انفجاراً حتمياً للتناقضات الموجودة في الحزب وفي الحكم، وأن بعض المنطلقات النظرية التي أقرها المؤتمر القومي السادس كانت الخطوة الأولى نحو تجاوز وتصفية ما سموه بـ "العفلقية"، ولقد دعت القيادة القطرية العراقية مؤتمرها القطري الخامس للانعقاد في 11 تشرين الثاني 1963 لانتخاب الأعضاء الاحتياطيين في قيادة القطر وفقاً للتعديلات التي طرأت على النظام الداخلي، وبعد مضي نصف ساعة من انعقاد المؤتمر فوجئ المؤتمرون بدخول عدد من "اليمينيين العسكريين" قاعة المؤتمر ليفرضوا أنفسهم أعضاء في المؤتمر، متذرعين بعدم تمثيل التنظيم العسكري تمثيلاً سليماً، واعترضوا على من حضر المؤتمر ليمثلهم، كما طعنوا في انتخابات التنظيم المدني، وتكلم أحدهم وهو العقيد محمد حسين المهداوي "كان ملحقاً عسكرياً في سورية بعد 8 شباط ثم عاد إلى العراق بعد المؤتمر القومي السادس" قائلاًُ: "إن الرفيق ميشيل عفلق فيلسوف الحزب، قد أخبرني بأن هناك عصابة متسلطة على رأس الحزب في العراق، وهناك عصابة مماثلة لها في سورية، وقد التقت هاتان العصابتان وسيطرتا على المؤتمر القومي السادس، لذا يجب إزالتهما، وأن ما يحدث هنا سيحدث مثيله قريباً في سورية... ثم طالب باعتبار جميع الحاضرين أعضاء في المؤتمر"، وتم انتخاب قيادة قطرية جديدة، قامت على الفور بنفي "حمدي عبد المجيد، علي صالح السعدي، محسن الشيخ راضي، هاني الفكيكي، أبو طالب الهاشمي" إلى مدريد، دون تزويدهم بجوازات سفر حتى لا يستطيعون مغادرتها.
وصل الأمين العام يوم 13/ 11 إلى بغداد، على رأس وفد ضمّ في عضويته الفريق أمين الحافظ، اللواء صلاح جديد، من أعضاء القيادة القومية، والوزير يوسف زعين وآخرين، وبعد الاطلاع على مجريات الأمور، صدر يوم 13 / 11 بيان باسم القيادة القومية، ومما ورد فيه: "إن ما وقع في المؤتمر القطري العراقي المنعقد بتاريخ 11/11/1963 من استغلال لطيبة رفاقنا الضباط الذين لم يُفسح لهم المجال في السابق لإبداء آرائهم بأسلوب صحيح ومن ممارسة لطرق غير حزبية في المؤتمر تجعل القيادة القطرية التي انتُخبت لا تعبر عن إرادة الحزب"، واتخذ الحاضرون من أعضاء القيادة القومية مقررات منها:
1 - اعتبار المؤتمر القطري المنعقد في بغداد بتاريخ 11/11 مؤتمراً غير شرعي، وحل القيادة القطرية المنبثقة عنه.
2 - حل القيادة القطرية التي كانت تمارس مهامها عند انعقاد المؤتمر المذكور.
3 - تولي القيادة القومية مسؤولية القيادة القطرية في العراق.
ونتيجة ذلك تولى الأمين العام، مع عضوي القيادة القومية أحمد حسن البكر وصالح مهدي عماش، وأعضاء القيادة القومية الذين كانوا في عضوية الوفد، توجيه دفة الأمور.
وحسب وجهة نظر المنفيين وجناحهم في الحزب، أن دور الأمين العام والبكر وعماش، كان يهدف إلى تثبيط عزيمة الحزبيين وتمييع المواقف، وعدم الأخذ أو الاستماع للرأي الآخر في الحزب.
كما رفض "أعضاء القيادة القومية" إدانة ما حدث يوم 11 /11، ورفضوا عودة القيادة الشرعية للحزب، ورفضوا، أيضاً، طلب الحزبيين بإخراج عبد السلام عارف من العراق رغم وضع "المنفيين" أمام أعضاء القيادة القومية جميع المعلومات المتوفرة عن تحركاته واجتماعاته، وتأكيدهم للأمين العام بأن عبد السلام عارف يُعِدّ لانقلاب بالاشتراك مع العناصر التي دخلت عنوة إلى المؤتمر، ورغم كل ذلك أقدم الأمين العام بعد تحرك الحرس القومي لحماية الثورة يوم 13 /11، على تشكيل مكتب عسكري للتنظيم الحزبي في الجيش ضم في عضويته "طاهر يحيى، حردان التكريتي، رشيد مصلح، سعيد صليبي، صلاح الطبقجلي"، وأصدر هذا المكتب بموافقة الأمين العام، تعليمات طلب فيها من الحزبيين العسكريين اعتبار تعليمات طاهر يحيى وأوامره تعليمات من الحزب، وقد استخدم طاهر يحيى هذه الصلاحيات ليُنفذ، بالتعاون مع عارف، انقلاب 18 تشرين الثاني بمنتهى السهولة، وخاصة، بعد أن أصدرت اللجنة التي يترأسها الأمين العام الأوامر للحرس القومي بالانسحاب من مراكزه الاستراتيجية في مدينة بغداد، على أساس أن المشكلة قد تمت تسويتها.
خان طاهر يحيى، الذي تسلّم رئاسة الوزارة، الأمانةَ وقام باعتقال مئات البعثيين، وحين بادرت الإذاعة السورية إلى مهاجمة الانقلاب فور حصوله، هاتف حازم جواد "عضو في القيادة القطرية الجديدة التي تم حلها وتقرر إبعاده، أيضاً، إلى لبنان"، من بيروت اللواء محمد عمران نائب رئيس مجلس الوزراء، وطلب الكف عن مهاجمة عبد السلام عارف، بل وتأييده، لأن الضباط الذين قاموا بالانقلاب هم ضباط بعثيون، وأن هذا الانقلاب قد تم بالاتفاق مع الأستاذ صلاح البيطار وبعلم الأمين العام الأستاذ ميشيل عفلق(3).
إذاً، وحسب وجهة نظر بعض القواعد الحزبية في منظمات الحزب، أن الأمين العام قد هيأ الشروط الضرورية لتنفيذ الانقلاب على حكم الحزب في العراق، حتى إن البعض يذهب في الاتهام، بأن الأمين العام قد اشترك في الإعداد له.
بعد سقوط حكم الحزب في العراق
على ضوء أحداث العراق طلب أكثر من ثلث أعضاء المؤتمر القطري في سورية دعوة المؤتمر القطري الأول لدورة استثنائية له، وافقت القيادة القومية على ذلك، وطلبت من قيادة قطر سورية دعوة المؤتمر، وعُقدت جلساته مابين 1-5 شباط 1964، و ناقش المؤتمر ما حدث في العراق، وحاول بعض المؤتمرين تحميل الأمين العام مسؤولية سقوط حكم الحزب هناك، وفي الجلسة الختامية، سحب المؤتمر ثقته من القيادة القطرية التي كانت كانت قد انتُخبت في أيلول 1963، وتضم كلاً من (حمود الشوفي – نور الدين الأتاسي – خالد الحكيم – محمود نوفل – أحمد أبو صالح – المقدم حمد عبيد – الرائد حافظ الأسد – النقيب محمد رباح الطويل)، وانتخب قيادةً جديدة، بعد اتخاذ قرار بأن يكون عدد أعضائها 15عضواً بدلا من ثمانية، وتضم (أمين الحافظ ـ محمد عمران ـ صلاح جديد ـ عبد الكريم الجندي ـ حمد عبيد ـ حافظ الأسد ـ محمد رباح الطويل ـ نور الدين الأتاسي ـ سامي الجندي ـ الوليد طالب - يوسف زعين ـ محمد الزعبي ـ جميل شيا ـ سليمان العلي ـ فهمي العاشوري).
بعد ذلك، دعا الأمين العام بدون قرار من القيادة القومية، بذريعة عدم وجود نصاب لاجتماع القيادة، إلى عقد مؤتمر قومي موسع، يحضره كل أعضاء المؤتمرات القطرية في الأقطار التي يكون التنظيم فيها على هذا المستوى، وجميع أعضاء قيادات المنظمات التي هي دون مستوى الأقطار- أي التي هي بمستوى فرع أو شعبة أو فرقة – وهذه الصيغة التي قررها الأمين العام، غير متوافقة مع أحكام تشكيل المؤتمرات المحددة في النظام الداخلي، مما دفع ببعض الأعضاء، ومنهم أعضاء في القيادة القومية إلى الاعتراض على تلك الصيغة، وطالبوا أن يُعقد المؤتمر القومي السادس في دورة استثنائية له لأنه صاحب الاختصاص ولم تنته ولايته بعد، ورفض الأمين العام هذا الطلب، وأصر على الصيغة التي قررها.
إن الصيغة التي دعا الأمين العام بموجبها إلى عقد المؤتمر الذي عُرف باسم المؤتمر القومي السابع دفعت ببعض المندوبين إلى مقاطعة جلسات المؤتمر ومن التبريرات التي تذرع بها الذين قاطعوا المؤتمر:
1ـ أنه جاء بناء على دعوة من الأمين العام للحزب، بينما ينص النظام الداخلي أن الدعوة للمؤتمرات القومية هي من صلاحية القيادة القومية*.
2ـ أن تكوين المؤتمر مخالف للنظام الداخلي الذي لم يأت على ذكر المؤتمرات الموسعة.
وفعلاً فإن الأمين العام استبعد من عضوية القيادة القومية ثلاثة من أعضائها، هم "حمدي عبد المجيد، محسن الشيخ راضي، على صالح السعدي"، بحجة أن حضورهم اجتماع القيادة القومية سيضفي الشرعية على اتصالاتهم الجانبية المخالفة للشرعية ولأحكام النظام الداخلي، فهم يحاولون تسيير الحزب في سورية بالأسلوب نفسه ويعملون على جره لارتكاب الأخطاء نفسها التي سببت النكسة في العراق، سواء في إيجاد وتعميق التناقضات داخل الحزب بين ما يسمونه اليمين واليسار، أم توسيع التناقضات بين الحزب والحكم الذي هو حكم الحزب، أو بين الحزب والجيش الذي هو جيش الحزب والبلاد، ومن وجهة نظر الأمين العام أن التحجج بأن العسكريين يسيطرون على المؤتمر القطري السوري هو منطق خطير يخفي خلفه سياسة تخريبية، لأن التنظيم العسكري في الحزب ليس حزباً ضمن الحزب ولا كتلة مستقلة ضمن التنظيم، وأن ظروف العسكريين تفرض شكلاً معيناً من التنظيم يتسم بالدقة والسرية، وأن هذا الشكل الذي تفرضه الظروف الموضوعية لا يُعطي الرفاق العسكريين أي امتياز أو أي حقوق خاصة، فحقوق الرفيق العسكري هي حقوق الرفيق المدني نفسها وواجباته هي واجبات الرفيق المدني نفسها، وكل تفريق بين القطاعين العسكري والمدني هو في الحقيقة تخريب للحزب وبالتالي للثورة، والقول بتسلط العسكريين بالإضافة إلى كونه تخريباً وغير مسؤول، هو أيضاً قريب إلى الخيال أكثر منه إلى الواقع.
عقد المؤتمر القومي جلساته من 12 إلى 18 شباط، في أجواء مقاطعته من عدد من المندوبين، وجلّهم من القطر العراقي، بذريعة عدم شرعيته، صوت الحاضرون، وهم الأكثرية المطلقة، على أن المؤتمر شرعي، كما أن المؤتمر، رغم عدم رضا الأمين العام، اتخذ قراراً بعدم السماح للباقين من مندوبي العراق، الذين تخالف وجهة نظرهم من قاطعوا، حضور المؤتمر، حرصاً على حضور الجميع
ليكون المؤتمر على بينة بوجهات النظر المختلفة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*ليست هي المرة الأولى التي يُدعى فيها مؤتمر قومي من قبل الأمين العام، ففي عام 1959 دعا إلى المؤتمر القومي الثالث في بيروت بمفرده بذريعة أن القيادة القومية في ذلك الحين غير موجودة عملياً واحتج عضو القيادة القومية عبد الله الريماوي ومجموعته، في ذلك الحين، على عدم شرعية الدعوة.
لقد ركز الأستاذ ميشيل عفلق في هذا لمؤتمر على انتزاع قرارات تُدين ما عُرف بمجموعة (السعدي) وتحميلهم مسؤولية نكسة الحزب في العراق، ولكن جهوده فشلت، واتخذ المؤتمر قرارات منها:
ـ تكليف القيادة القومية الجديدة بوضع تقييم لنكسة الحزب في العراق وعرضه على مؤتمر قومي لاحق.
ـ بذل الجهود لإعادة البعثيين القدامى إلى صفوف الحزب، تنفيذاً لمقررات المؤتمر القومي السادس بهذا الخصوص.
- انتخاب قيادة قومية جديدة .
وأصدرت القيادة القومية بتاريخ 22/4/1964 نشرة داخلية عن أعمال المؤتمر، ومما جاء فيها: "لا الحزب يستطيع أن يحمي ثورته بدون مساعدة العسكريين الثوريين، ولا الجيش يستطيع أن يحكم بلداً لأن الدكتاتورية حلقة مفرغة يُصَفي فيها الضباط بعضهم البعض على حساب الثورة وعلى حساب تطور البلاد وتنميتها".
أما بالنسبة لقرار إعادة البعثيين القدامى، فقد تم تكليف الفريق أمين الحافظ بمحاروة الاشتراكيين العرب، واللواء محمد عمران بمحاورة الوحدويين الاشتراكيين، واللواء صلاح جديد بمحاورة القطريين، ولم يصل المحاوران الأولان إلى نتيجة مع محاوريهم، في الوقت الذي نجح فيه المحاور الثالث، وتقدم أغلب أعضاء التنظيم القطري بشكل فردي، بطلبات عودة إلى الحزب، ووافقت القيادة القطرية السورية على إعادتهم.
يتبع
من كتاب (البعث وثورة آذار) مروان حبش