كتب الدكتور بهجت سليمان: الأقلّيّات.. و الأكثريّات 1 من4
[ الأقلّيّات.. و الأكثريّات ]
( في "المفهوم" و في "الواقع" السّوريّ.. )
1من4{ 1- من 4 } : الحلقة الأولى
1▪︎ لم يعرف التّاريخ استقراراً و تناسباً ديموغرافيّاً حسابيّاً أو طبيعيّاً لتوزّع البشر الأوائل الذين همّوا بالحياة التّعاونيّة اتّقاء صعوبات العيش و "شرور" الطّبيعة ، منذ القبيلة الأولى و حتّى الدّولة المبكّرة في المدن الصّغيرة، التي تجاوز فيها الأوّلون حياة التّنقّل و الصّيد و الرّعي و حياة الكهوف و العيش في جوار العراء..
فقد بدأت التّجمّعات الأولى المتنوّعة بالمصاهرات (الزّواج الخارجيّ) التي كان لها دورٌ مفتاحيّ في التّعرّف على "الآخر" الغريب عن القبلية..
2▪︎ فيما يعتقد علماء الأنثروبولوجيا (علم صفات التّطوّر الثّقافيّ للشّعوب في إنتاج الأنسنة- الإناسة) و الأثنولوجيا (علم أصول الأعراق و الأجناس) أنّه لم يكن بالإمكان الانتقال إلى الاستقرار القبليّ الأوّليّ في تجمّعات سكنيّة و سكّانيّة، لولا هذا التّمازج في إطار التّحريم الجنسيّ و قيود الزّواج من المحارم، فعرفت بذلك البشريّة أوّل تناسبات غير متكافئة بين الأصليين من سكّان القبيلة، و بين أصهر القبيلة من الوافدين من خارج الأرض و السّكّان، و الذين فضّلوا الاستقرار في القبائل المضيفة، أو سيقوا إليه تحت رغبة المانحين من العمومة الجُدد أو تحت رغبة.. أو إرادة الزّوجات.
3▪︎ و بهذا نعزو أوّل الأشكال الجنينيّة إلى التّجمعات "الحَضَريّة" المستقرّة مع الزّراعة و الصّيد المنظّم، الذي ينتقل أبناءُ القبيلة من أجله إلى أراضٍ بعيدةٍ و غريبة، ليعودوا يوميّاً أو دوريّاً.. أو فصليّاً إلى الأرض الأمّ مانحة الاستقرار و المعمّدة بدم القرابين المقدّسة؛ و نعزو، مع هذا، أوّل التّوزّعات الدّيموغرافيّة المختلطة بين أبناء القبائل المختلفة.
4▪︎ و نفهم ممّا تقدّم أنّ الاستقرار البدائيّ الأوّل، كان مشروطاً بالتّنوّع الدّيموغرافيّ أو الجينالوجيّ الأثنولوجيّ (الأصلويّ) للمختلفين، الأمر الذي شقّ الطّريقَ إلى أوّل التّجمّعات البشريّة التي نستطيع أن نعتبرها، اليومَ، كأوّل نواة لمفهوم "المجتمع" البدائيّ الأوّل، ما مَهّد لنشوء فكرة و واقع المجتمع كما نتصوّره اليوم.
لم يكن ، ساعتها ، من الممكن أن نتصوّر "ثقافة" ما ، تشيرُ إلى الغريب أو الغرباء عن القبيلة ، بحيث أنّ الاندماج كان يحصل طبيعيّاً و تلقائيّاً ، لمجرد الانتماء المتبادل بين القبائل لسبب من الأسباب أو لآخر .
5▪︎ في تلك الأثناء التي نتحدّث عليها ، ظهرت في التّاريخ الجماعات الأولى من التّجمّعات البشريّة لحاجات طبيعيّة و غريزيّة ، حيث لم يكن ليخطر في بال الإنسان المبكّر ، أن حاجاته نفسها ستغدو ، يوماً ، عبئاً عليه في الاجتماع السّياسيّ ( ظهور اعتماد الفوارق الانتمائيّة اعتماداً للتّفريق ) ، بعد أن ظهرت في التّاريخ ملامحُ القوّة التّراكميّة للعقل ، لتنحرف إلى العنف الهادف إلى الاستئثار ، و الذي أسهم بشكلٍ رئيسيّ بخلق تاريخ الإنسان الطّويل .
و التّاريخ شيء عجيب بما هو يؤلّف المسائل التي طرحها على الإنسانيّة ، في "التّطوّر" ، و التي أصبحت تدريجيّاُ أكثر تعقيداً ، لتحتاج إلى حلول في إطار الفكر و الثّقافة و الاجتماع و السّياسة ، على مدى الزّمان .
6▪︎ و نستطيع الجزم ، بناءً على التّاريخ ، أنّ هذه المعضلات و المسائل لم تُطرح على الشّعوب بمساواة أو عدالة ، و هذا جلّ ما يجرؤ العقل على التّفكير فيه في معرض قبوله أو رفضه لتلك المشكلات التي ستدخل ، لاحقاً ، في إطار الاختلاف و الخلاف .
لقد ساهمَ الإنسانُ نفسه ، و يُساهم ، و لأسبابِ تطوّرِ غرائزه ( سلباً أو إيجاباً ) في مجرى "الثّقافة" ( إذ أن الإنسان حيوان مثقّف أيضاً)، عن قصد و عن غير قصد ، في تعقيد الكثير من المسائل التّاريخيّة التي ينقضي على تناقضاتها أجيالٌ و أجيالٌ و يقضُون فيها ، فيما هم يحاولون جعلَ العالم أكثرَ إنسيّة أو أكثرَ وحشيّة أيضاً .
7▪︎ و هكذا وُضع الإنسان أمام خياراته الصّعبة عندما تولّت حلولَها "السّياسة" في إطار "الاجتماع" ؛ و سيقتْ خيارَات الإنسان ، أفراداً و شعوباً و جماعات ، بالاضطلاع بالتّفكير الّلازم و الضّروريّ بالحلول المتوفّرة و تلك غير المتوفّرة لمشكلاته، بعد أن كان، هو نفسه، ضالعاً بخلق تلك المشكلات التّاريخيّة في سعيه الخاطئ ، أو الجشع، أو البريء، إلى الامتلاك الاستئثاريّ أو الاحتكاريّ، و الذي ربّما تمليه الحاجة في التّصوّر أو في السّياسة ، و بخاصّة في المجتمعات الحديثة و المعاصرة ، فيما كان هذا العالم و ما زال يفرّ باطّراد من قبضة التّحكّم و السّيطرة ، فلا يستجيب إلى التّدجين و الأنسنة منه إلّا الشّيء اليسير.
8▪︎ و مع "التّطوّر" الطويل لأشكال "الاجتماع"، ظهر ما يسمّى بالحدود الثّقافيّة أو الاجتماعيّة أو الجغرافيّة أو السّياسيّة، و ذلك بحكم جملة من التّفاوتات السّببيّة الدّاخليّة كما في حالات التّعضّي الاجتماعيّ الوظيفيّ أو المهنيّ أو الحرفيّ أو الطّبقيّ.. إلخ؛ أو الخارجيّة كما في حالات الغزو و الاستعمار في ما بعد.
و لقد ساهمت الأفكارُ و الثّقافات و الاستعدادات بدورها في ذلك ، فبدأت تترسّخ في الوعي التّاريخيّ مفاهيم جديدة و عديدة ، و منها كان مفهوم "الأقلّيّة" أو "الأقلّيّات" (
..( Minorities ) "و "الأكثريّة" أو "الأكثر ( Majority
و مرّ هذا المفهوم بمراحل تطوّريّة و تاريخيّة مديدة و عديدة ، و كان له في كلّ مناخ تاريخيّ و اجتماعيّ و سياسيّ ، مدلولات تختلف بحسب المرجعيّة الإسقاطيّة لهذا المفهوم على الواقع الاجتماعيّ.