العربي المفجوع د. عبد الله حنا يكتب عن فلسطين
آه آه يا فلسطين..
بقلم عربي مفجوع
{ كان من المقرر أن استمر في متابعة طُرق نهب حكام المماليك والعثمانيين لرعاياهم، ولكن ما قام به أحد عتاة الامبريالية الاميركية ترامب من مشروع ما يُسمّى صفقة القرن لترسيخ أقدام الدولة الصهيونية في فلسطين، دفعني لبثّ شجوني المفعمة بروح انسانية لا تفرّق بين يهودي ومسيحيي ومسلم، علاوة على أن هذه الروح تنظر إلى جميع الاثنيات والأديان نظرة محبّة. فقلبي يخفق في رحاب الكون متمنيا المساواة والخير للجميع. وهو اليوم يدفعني لاستعادة ذاكرتي حول مأساة القضية الفلسطينية كما عشتها أو قرأت عنها، أو كما كتب عنها الأب الروحي للماركسية في عالمنا العربي سليم خياطة، الذي أدرجنا في الحلقة السابقة بعضا من كتاباته عن الصهيونية في ثلاثينيات القرن العشرين }.
***
*
في التاسع والعشرين من تشرين الثاني عام 1947 اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً حول إنهاء الانتداب الإنكليزي وتأسيس دولتين مستقلتين على أرض فلسطين دولة عربية ودولة يهودية وتصبح القدس منطقة إدارية تحت إشراف هيئة الأمم المتحدة.
" وما أن صدر قرار التقسيم حتى قامت قيامة الأقطار العربية حكومات وشعوباً ومؤسسات رافضة التقسيم باستثناء الأحزاب الشيوعية العربية, التي نشطت في توضيح موقفها وتبرير الموقف السوفييتي بتأييد التقسيم... والصهيونية رفضت التقسيم ظاهريا ودسّت عملاءها في الأقطار العربية لدفع العرب إلى رفضه . فهي طامعة في فلسطين كلها ولا تقبل بنصفها . وكان المندوب السوفييتي في الأمم المتحدة قد حثّ المندوبين العرب على إقناع حكوماتهم بقبول التقسيم انطلاقاً من أن القبول بنصف فلسطين أفضل بكثير من خسرانها بالكامل..".
***
أمضيت خمس سنوات في مدرسة ابتدائية في ديرعطية. وكان تعليم اللغة الفرنسية يبدأ من الصف الأول. وفي صيف 1943 وبعد ان جاوزنا الصف الثالث صدر قرار من وزارة المعارف بمنع تدريس اللغة الفرنسية في المدارس الإبتدائية بُغية تمكين التلاميذ من تعلّم لغتهم الأم، حسب تقديرهم. وهكذا حُرِمت من تعلم اللغة الفرنسية، ولا أزال، إلى اليوم، أتحسر على جهلي اللغة الفرنسية مما حجّم من معارفي وإمكانية الإتصال بالحضارات العالمية.
لم يُفرّق القائمون على التعليم بين النضال ضد الاستعمار الفرنسي وبين اللغة الفرنسية كأداة للتواصل بين الحضارات. وذات مساء من صيف 1943 جرى في ساحة قرية ديرعطية (ساحة الشقطي) احتفال تكلم فيه عدد من الخطباء داعين إلى مقاطعة اللغة الفرنسية. ولا تزال كلمات عبد الفتاح مالك من النبك ترن في اذني وهو يردد: "فلا بنجور بعد اليوم ولا مرسي بعد اليوم".
أثناء الإحتفال أُشعِلت النيران لحرق الكتب الفرنسية، ولا أزال أذكر تلك اللحظة التي ألقيت فيها كتاب اللغة الفرنسية للصف الثالث في النار المشتعلة وأنا منتشٍ ِ بالإنتصار على فرنسا. وكلما حضرت مؤتمرا علميا يتحدث فيه الكثيرون باللغة الفرنسية أتذكر رَمْيِ الكتاب الفرنسي في النار، غير عارف آنذاك، بأني أحرق أحد أبواب الإتصال بالعالم وحضارته.
***
نلتُ شهادة السرتفيكا (أهلية التعليم الإبتدائي ) في حزيران 1946 بمعدّل جيّد فتح الطريق لحصولي على " كرسي مجاني " لمدة اربع سنوات للدراسة على نفقة " الدولة الوطنية " الناشئة .
و " الكرسي المجاني " لا يعني الدراسة فقط بل المبيت والطعام المجاني . وهكذا دخلتُ مدرسة التجهيز الثالثة في دمشق . وكان بناء المدرسة ثكنة عسكرية فرنسية حوّلتها الحكومة الوطنية إلى مدرسة للدراسة المتوسطة والثانوية ضمّت ، تلاميذ نهاريين معظمهم من دمشق ، وتلاميذ ليليين ، أي يبيتون في الطابق العلوي وهم الحاصلين على منح مجانية وغالبيتهم من أرياف حوران وجبل العرب والقلمون .
شارتُ كتلميذ في الصف السابع في المظاهرات المحتجّة على تقسيم فلسطين . وأذكر أن رئيس الجمهورية السورية شكري القوتلي القى خطابا في مدرستنا التجهيز الثالثة ، جاء فيه : " فلسطين عربية .. وستبقى عربية .. ولو أطبقت عليها شعوب الأرض " . فصفّقنا له مع الهتافات ، وأصبحت التظاهرات في المناسبات الوطنية وذكرى تقسيم فلسطين جزءا من حياتي في المدارس الاعدادية والثانوية والمرحلة الجامعية .
***
عندما أعلن رئيس الجمهوربة المصرية جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس ونزعها من يد الشركات الفرنسية والبريطانية طرنا فرحا ظانين أن الطريق اصبح مفتوحا لتحرير فلسطين وبخاصة بعد أن تمكنت القوات المصرية من صد العدوان البريطاني الفرنسي على قناة السويس بمساندة الشعوب العربية الناهضة آنذاك ، على خلاف ما هو الحال اليوم .
أذكر أثناء مظاهرات الابتهاج بتأميم قناة السويس أنني كنت ، بسبب صوتي الجهوري وخبرتي في العراضات ايام الأعراس في بلدتنا أنني كنتُ أنشد بنغم خاص مقطعا والمتظاهرون يرددون ما أقول ، وهو :
يحيا جمالها الأمة العربية .. يحيا جمالها
أمم قنالها بعزم وحريّة .. أمم قنالها
***
كان من أسباب النصر على القوى الاستعمارية وقوف امريكا على الحياد ومساعدة الاتحاد السوفياتي العسكرسة بالسلاح ، الذي كانت تفتقد إليه مصر وحليفتها سورية .
لقد اتصفت منتصف خمسينيات القرن العشرين بوقوف الاتحاد السوفياتي إلى جانب حركات التحرر العربية ، وتزويد الجيشين المصري والسوري بالسلاح الحديث على مختلف أنواعه .
ولنقارن بين حالة النهوض الوطني والقومي العربي في منتصف القرن العشرين ، والحالة البائسة للعالم العربي اليوم ، مما شجّع عتاة الامبريالية على اتخاذ مشروع صفقة القرن .
ولنقارن أيضا بين وضع عالمي وقف فيه الاتحاد السوفياتي بالمرصاد للعنجهية الصهيونية المتحالفة مع الامبريالية ، وبين وضع عالمي متصدّع بعد زوال الدولة الاشتراكية السوفياتية وانفراد المعسكر الرأسمالي الامبريالي بالعرب وغيرهم من شعوب العالم .
***
أدرجت في حلقتين سابقتين اسباب تخلفنا ، ومنها ما يُلَقّن للتلامذة ان الاستعمار هو سبب التخلّف كي يلقوا على كاهل العامل الخارجي المسؤلية . ونحن نؤكد أن الاسباب الداخلية لها الدور الرئيسي في تخلفنا .
ونبادر هنا للرد على من يهمس : إن الاسلام هو سبب تخلفنا ... ونجيب : ليس الاسلام هو سرّ تخلفنا لسبب واضح وهو التالي : تحت راية الاسلام ازدهرت الحضارة العربية الاسلامية بين القرنين الثامن والثاني عشر الميلاديين. وفي ظلّ الاسلام (والأصح حكم المسلمين) جرى التقهر وانتكست الحضارة العربية الاسلامية اعتبارا من القرن الثالث عشر الميلادي.
فالاسلام الذي احتضن العقلانية صعد بها إلى قمة الحضارة . وعندما تخلى فيما بعد قادة الفكر الاسلامي عن العقلانية هوَتْ حضارتنا إلى الحضيض. ولا نزال إلى الآن نعيش مرارة الهبوط، وضاعت فلسطين خلال نصف قرن بسبب اللاعقلانية المهيمنة التي تدفع بنا نحو مزيد من التقهقر والجمود. وزاد في الطين بلّة ابتلاؤنا بهمجية الهجوم الصهيوني المدعوم امبرياليا من الرأسمالية البربرية، التي اوصلت ترامب إلى سدة الرئاسة.
***
وهنا علينا أن نميّز بين رأسمالية ثورية شبابية مناهضة للاقطاعية وبين ورأسمالية امبريالية همجية تستثمر العمال وتستعبد الشعوب، وقدّمَتْ فلسطين على طبقِ من الخداع إلى الصهيونية.
أما "المسكينة" الاشتراكية حلم البشرية المظلومة فأصابها ما أصابها من نكسات ، وبقِيت البشرية تئن تحت وقع سنابك خيل الامبريالية البربرية. هذه "المسكينة" الاشتراكية المُثْخنة بالجراح ليس بإمكانها اليوم الوقوف في وجه الاجتياح الرأسمالي البربري الصهيوني. ويبدو أنّ علينا الانتظار إلى أن يتغيّر وجه البشرية نحو انسانية تهفوا إليها قلوب الشعوب.
***
علينا الانتظار... لماذا؟.. لان الدولة العربية الحديثة تحمل بين جنباتها معالم العصرنة والحداثة وبذور التطور من جهة وتختزن في نسيجها كوابح المورث الاستبدادي السلطاني (المملوكي العثماني) من جهة أخرى . إضافة إلى مفاعيل المال النفطي والغازي البدوي الطباع في ترسيخ التخلف، على الرغم من التحديث الذي استورده من الغرب الصناعي رافضا الحداثة وما تحمله من تقدم .
أما الجوانب المشرقة النيّرة والعقلانية من تراثنا العربي الإسلامي فتسعى قوى "التسلط" و"الرجعة" إلى دفنها في الرمال, أو تحريف جوهرها والابتعاد عن تيارات العقلانية , التي أبدعت يوما ما الحضارة العربية الإسلامية المزدهرة قبل قيام الدولة السلطانية السلجوقية والمملوكية والعثمانية.
***
والواقع أن بداية انتشار الرأسمالية في العالم العربي لم يؤد في القرن التاسع عشر ومستهل القرن العشرين -عصر المرحلة الأولى للنهضة العربية- إلى انتصار الرأسمالية وأفكارها وقيمها انتصاراً واضحاً على العلاقات ما قبل الرأسمالية، وبخاص الاقطاعية منها. فقد جرى توافق ومصالحة بين رأسمالية الثورة الصناعية القادمة من الغرب والعلاقات ما قبل الرأسمالية الراسخة الجذور في الشرق. ولهذا لم يستطع المشروع النهضوي العربي وما يحمله من مفاهيم العقلانية والليبرالية والعلمانية والمواطنة وسائر أفكار التنوير أن يمد جذوره في عمق المجتمعات العربية، التي بقيت محاصرة بالجهل والخرافة وسائر مفاهيم وعادات ما قبل الرأسمالية.