د. عبد الله حنا: آه آه يا فلسطين
كان من المقرر أن استمر في متابعة طُرق نهب حكام المماليك والعثمانيين لرعاياهم، ولكن ما قام به أحد عتاة الامبريالية الاميركية ترامب من مشروع ما يُسمّى صفقة القرن لترسيخ أقدام الدولة الصهيونية في فلسطين، دفعني لبثّ شجوني المفعمة بروح انسانية لا تفرّق بين يهودي ومسيحيي ومسلم، علاوة على أن هذه الروح تنظر إلى جميع الاثنيات والأديان نظرة محبّة. فقلبي يخفق في رحاب الكون متمنيا المساواة والخير للجميع. وهو اليوم يدفعني لاستعادة ذاكرتي حول مأساة القضية الفلسطينية كما عشتها أو قرأت عنها، أو كما كتب عنها الأب الروحي للماركسية في عالمنا العربي سليم خياطة.
***
بدأتْ الصهيونية نشاطها أواخر القرن التاسع عشر في المانيا، وعندما تبيّن لها أثناء الحرب العالمية الأولى أن الهزيمة ستلحق بالمانيا نقلت نشاطها من برلين إلى لندن، وتمكنت 1917 من انتزاع وعد بلفور وزير خارجية بريطانيا بأنّ فلسطين وطن قومي لليهود. وبعد أن انتقل مركز ثقل الامبريالية العالمية من بريطانيا إلى الولايات المتحدة الأميركية نقلت الصهيونية مركز نشاطها من لندن إلى واشنطن في الحرب العالمية الثانية. وبفضل مساعدة أمريكا للصهيونية أخذت المصائب تتوالى على فلسطين وشعبها العربي.
***
في خضمّ هذه المأساة برز في ثلاثينيات القرن العشرين سليم خياطة، الذي سنخصص لأفكاره ونشاطه القسم الأول من هذه الورقة.
ثمّ ننتقل في القسم الثاني إلى شجون العربي المفجوع عبد الله حنا: المسيحي المولد.. السوري النشأة الوطنية.. ابن الحضارة العربية الاسلامية وسليل نهجها الانساني، متمثلا بالحديث النبوي: "الخلق كلهم عيال الله".
***
الحركة الفنية المبَكِّرَة في دمشق نشطت بمبادرة رائدها أبو خليل القباني، وضمّت ثلّة من الشباب منهم الفلسطيني حلمي الفتياني, الذي اشتهرت عائلته في نابلس والقدس بتولّي عدد من رجالها منصب الإفتاء.
عاش حلمي فترة شبابه في دمشق وتزوج من عائلة دعدوش الدمشقية. وعلى أثر منع القوى المحافظة للمسرح في دمشق، "هرب" القباني إلى مصر وبرفقته حلمي الفتياني تجنباً لضربات القوى المحافظة المعادية للفن والمسرح.
ويبدو أن حلمي الفتياني تأثر أثناء إقامته في مصر بالجو التنويري السائد بين عدد من مثقفي مصر. وعندما عاد إلى دمشق بعد زوال الاستبداد الحميدي حصل حلمي في دمشق عام 1912 على ترخيص بإصدار صحيفة "الاشتراكية", التي عطّلتها السلطات بعد شهر من صدورها. واضطر حلمي الفيتاني نتيجة مضايقات السلطة إلى مغادرة دمشق, تاركاً ابنته الوحيدة لدى أهل زوجته, وعاد إلى نابلس. وهناك شارك بعد الحرب العالمية الأولى 1918 في الحركة القومية العربية وعُرف في نابلس باسم خطيب الشعب, وتوفي في نابلس في مطلع الحرب العالمية الثانية 1939.
***
في أعقاب الحرب العالمية الأولى أخذ يتزايد باضطراد التأثير المزدوج للثورة الفرنسية البرجوازية 1789 والثورة الإشتراكية الروسية 1917، اللتين اسهمتا في نهوض فكري تنويري وتصاعد في إيقاع الحركات الوطنية المناهضة للامبريالية، التي أشعلت الحرب العالمية الاستعمارية الاولى. وكانت المناهل، التي استقى منها الرواد الأوائل للحركات اليسارية زادهم الفكري هي:
- التوجّهات الثورية واليسارية في الثورات البورجوازية وتحديدا الثورة الفرنسية.
- الحزب الشيوعي الألماني ، الذي يطول الحديث عنه وخرّج عددا من المفكرين اليساريين.
- الحزب الشيوعي الفرنسي ومواقفه المؤيدة لحركات التحرر العربية. ويلاحظ أن الجامعات الفرنسية كانت المدرسة الأساسية للطلاب السوريين واللبنانيين الشيوعيين منهم والليبراليين على حدِّ سواء.
- أثر ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا ونشاط الكومنترن بما أسسه من مدارس لتدريب الكوادر الشيوعية وما أرسله من مندوبين لمساعدة الأحزاب الشيوعية العربية الناشئة وتثقيفها.
- التراث العربي الإسلامي وما اختزنه من نماذج ثورية كانت منارة للمتطلعين إلى العدالة الاجتماعية.
- الوضع الاقتصادي الاجتماعي, الذي أخذت مفاعيل التغيير, بعد 1918 تهزّه مخلخلة بناه الفوقية
بتاريخ 7 تموز 1931 اصدر الحزب الشيوعي السوري برنامجه مُعْرِبا أن "النظام الرأسمالي ليس منزلاً من عند الله، كما يدّعي البرجوازيون".. ودعا إلى "الاستقلال التام والوحدة السورية وسحب الجيوش المحتلة وإلغاء الانتداب".. "الإخاء والتضامن بين جميع الشعوب المظلومة، وإيجاد جبهة متحدة بينها للنضال ضد الاستعمار...". وتطالب الوثيقة بـ: "تحرير الجموع السورية العاملة بدون فرق بين الجنسيات والأديان...".. "إيجاد جبهة متحدة بين جميع البلدان العربية للنضال والتضامن المشترك ضد الاستعمار" و"إيجاد حلف بين العمال والفلاحين في البلاد العربية".
وعلى المنوال نفسه نشرت عام 1933 جريدة الكومنترن "المراسلات الصحفية الدولية" تقريراً عن اجتماع المجلس الاستشاري لممثلي الحزبين الشيوعيين السوري والفلسطيني في عام 1931، الذي دعا إلى "حكم العمال والفلاحين العرب..." وإلى "الاستقلال التام السياسي القومي للبلدان العربية وتقريرها الحر لمسألة نظامها السياسي وحدودها"، وإلى "اتحاد فيدرالي طوعي للشعوب العربية المتحررة، في إطار اتحاد فيدرالي للعمال والفلاحين العرب للشعوب العربية، على أساس حلف الطبقة العاملة مع شغيلة المدن والفلاحين".
***
انطلاقا من هذه الأجواء دعت الشخصية الفكرية الماركسية الصاعدة سليم خياطة إلى مؤتمر عُقِدَ عام 1934 في زحلة مثّل مجموعة من المثقفين السوريين واللبنانيين، الذين حملت أكثريتهم أفكاراً ماركسية . وكان هذا المؤتمر خطوة متقدمة نحو العمل للاستقلال الوطني والوحدة العربية. فتحت عنوان: "نحن العرب نعتقد" وردت مجموعة أهداف ما يهمنا منها التالي:
- "وطننا العربي هو البلاد العربية ضمن الحدود التالية: جبال طوروس والبحر الأبيض المتوسط في الشمال، والمحيط العربي وجبال الحبشة وصعيد السودان والصحراء الكبرى في الجنوب، والمحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط عند سواحل الشام من الغرب، وجبال إيران وخليج البصرة من الشرق".
- "هدف القضية العربية إيقاظ أمتنا وتنظيم عناصرها في دولة مستقلة متحدة متحضرة".
- "كل عصبية إقليمية أو جنسية أو طائفية تنشأ في وطننا العربي هي قوى هدامة يجب القضاء عليها أو إذابتها في العصبية القومية العربية".
- "لا يفصلنا عن إخواننا دين أو مذهب، بل تتحد عقائدنا في خدمة قضيتنا".
- " ًتَدَخّل الدين في السياسة والدولة أساس مصائب بلادنا فواجبنا أن نسعى لفصلهما فصلاً تاماً مطلقا".
***
النشاط الفكري للماركسي سليم خياطة
في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين برز الكاتب اللبناني - والسوري سليم خياطة وجها وطنيا عربيا معاديا للفاشستية والاستعمار. وكان لجولات سليم خياطة في اوروبا والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية ومعرفته للافرنسية والانكليزية أثر في تطوره الفكري ونظرته إلى الأمور نظرة شرقية بمنظار ماركسي "يحاول ان يجد في الغرب ذلك الدرس الذي يستفيد منه الشرق في عراكه وفي سيره مع الغرب".
وقد كرّس سليم خياطة الجزء الأكبر من كتابه "حُمّيات في الغرب" الصادر 1933 لفضح الفاشستية الصاعدة في اوروبا آنذاك, مبتدئا بالصهيونية, وهي في رأيه "آلة بيد الاستعمار لمحاربة نهضة العرب التحررية الوطنية". واصفا الصهيونيين بانهم: "أناس ينطوون على مناحي رجعية تجمع بين عجرفة الهوس الوطني وبين أخلاقية من صميم البورجوازية الأوروبية". وسعى خياطة في كتابه "حُمّيات في الغرب" لكشف القرابة الفكرية بين الفاشستية والصهيونية على الرغم من الصراع بينهما.
في تموز 1934 انتهى خياطة من طباعة كتابه الثاني "على أبواب الحرب". وقد رمى من وراء كتابه فضح الراسماليين تجار الحروب, الذين يدفعون بالبشرية إلى أتون حرب عالمية ثانية. كما هدف إلى كشف الظلم الاجتماعي, الذي تعانيه الجماهير العمالية في البلدان الرأسمالية والشعوب في البلدان المستعمرة. وفي هذا الكتاب يبدو خياطة متشائما ومعتقدا بان المذبحة على الأبواب. ورغم تشاؤمه يختم خياطة كتابه بالمقطع التالي:
" بيد ان ذلك العالم الجميل, الذي لا حرب فيه, والذي تكلمنا عنه بحبِّ عميق, لا طلوع لفجره الرائع قبل المعركة الفاصلة, قبل النضال الحديدي الذي يحوّل الحرب الاستعمارية الكبرى إلى ثورات تنبثق منها الخطوط الأولى لذلك العالم".
أثناء الغزو الفاشستي الإيطالي الموسوليني للحبشة ألّف سليم خياطة كتابا على عجل صدر في كانون الأول 1935 تحت عنوان: "الحبشة المظلومة, أو فاتحة آخر نزاع للاستعمار في دور انهياره". في هذا الكتاب يبدو خياطة متفائلا بعكس كتابه السابق. وهو يعلن بصراحة أن اوراق كتابه:
"سُوِّدت في ليالي ارَقْ العالم في هذه السنة, هبطت عليَّ من وحي الاشتراكية ونهضة الشرق العظيمة, من وحي ماركس ونضال الحبشة ضد الراسمال الغربي"...
وقياسا على دعوة ماركس المشهورة ختم خياطة كتابه بعبارة: "يا عمال الخير والفضيلة الانسانية في كل مكان, اتحدوا".
***
وليس لنا الآن في هذا الليل البهيم إلا الدُعاء مع سليم خياطة: "يا عمال الخير والفضيلة الانسانية في كل مكان, اتحدوا".. اتحدوا ضد طغيان الامبريالية البربرية وملحقها أوذنبها الصهيونية الباغية، التي تلتهم أرض فلسطين قطعة قطعة منذ منتصف القرن العشرين.