كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

د. عبد الله حنا: موقف الحكم في سورية من النقاب

{ يرجى من القارئ إيلاء الاهتمام إلى نقطتي الضوء في آخر المقالة فأهميتهما لا تقل عن النص وعنوانه }

حاول الحكم البعثي في سورية جاهدا أن يوقف موجة العودة إلى الحجاب في المدارس الثانوية عن طريق نظام الفتوة وما يملك من وسائل الضبط. ولكن جهوده ذهبت مع الوقت أدراج الرياح، واحتل الحجاب الشرعي مكانا مرموقا في أوساط الفتيات في المراحل الإعدادية والثانوية والجامعات.

ومع خفوت جمر المنطلقات النهضوية (العقلانية, العلمانية, الديموقراطية, المواطنة المتساوية وتحرر المرأة) وفشل الناصرية والبعثية في تحقيق التنمية وتحرير فلسطين حلّ الاسلام السياسي بصيغته المنغلقة محل عصر التنوير, وتلا ذلك الانتصار المطلق للحجاب الشرعي. وإذا كان للحجاب الشرعي مبرراته فإن دخول أنواع متقوقعة من الحجب على بلاد الشام ومصر لم يكن أمرا مقبولا من تيارات اسلامية منفتحة على الحضارة والكون. فمع تصاعد أمواج التزمت الديني أخذت تلوح في الأفق ظاهرة النقاب معبّرة عن اجتياح البترودولار وما يرافقه أو يسبقه من مفاهيم محافظة وأفكار ظلامية. وأصبح الإنسان يشاهد في شوارع المدن السورية المنقبات يسرن وكأنهنّ خيم سوداء متحركة.

هذا النقاب الذي لم تعهده المدن السورية فيما مضى من الزمن أخذ ينتشر منذ منتصف الثمانينات من القرن العشرين وأصبح ظاهرة ملفتة للنظر في تسعينياته. وهو في الواقع موروث "عثملي" أنعشته الوهابية وما تضّخه من البترودولار في بلاد الشام ومصر.
وإذا كان للحجاب وجه شرعي وعمق تاريخي اجتماعي وثقافي يستند إلى أرضية ملائمة, فإن النقاب لا يمتلك في سورية المتقدمة حضاريا ذلك العمق الاجتماعي والوجه الشرعي. وهذا ما حمل الحكم في سورية على الوقوف في وجه النقاب قدر المستطاع. ويرجع بعضهم سبب وقوف ولا أقول مقاومة السلطة السورية للنقاب هو الهاجس الأمني. فبإمكان المنقبة ان تحمل ما تشاء وتعمل ما تشاء دون أن يعترضها أحد وكانها إحدى أبراج العصور الوسطى.
***
في حدود علمنا لم يقم النظام السوري بطرح موضوع النقاب على بساط البحث في وسائل الإعلام والأوساط الاجتماعية المتعددة المشارب والألوان, كي يكسب الراي العام السني غير المؤيد باكثريته للنقاب . و كعادته قام الحكم بإجراءاته دون الرجوع إلى الشعب وعاد عن هذه الإجراءات بقرارات فردية. والتراجع جرى بناء على "نصيحة" أحد رجال الدين المؤيدين للنظام في أعقاب التحركات الشعبية في منتصف آذار من عام 2001
ولنقرأ ما قام به النظام لتحجيم ظاهرة النقاب والعودة عن هذاالإجراء بعد مدة يسيرة.
أعطى وزير التعليم العالي السوري توجيهاته الشفهية بمنع دخول الطالبات المنقبات إلى حرم الجامعات السورية لأن ظاهرة النقاب تتعارض, كما ذكر, مع القيم والتقاليد الجامعية. والمعروف تربويا أن المدرس عندما يلقي درسه ينظر إلى عيون المستمعين والمستمعات لمعرفة مدى فاعلية كلامه على الحضور. واعتمادا على ذلك يقرر السير في الطريقة نفسها أو يعدلها. فالعيون وتقاسيم الوجه وحركة الجسم لها دور هام في التواصل بين المدرس وتلاميذه ونقل المعارف وتحليلها. فكيف يمكن ان يتمّ ذلك مع طالبة منقبة؟.. والأهم من ذلك كيف ستتم عملية الامتحان ومنع النقل أو الغش مع طالبة مدرعة بجلبابها؟ .. فالنقاب يؤثر بلا شك على سلاسة سير الامتحانات وحسن أدائها.
ولم يقتصر الوقوف في وجه موجة النقاب على الجامعة بل تعداه إلى المدارس. فقد أصدر وزير التربية في تموز 2010 قرارا بنقل 1200 منقبة من سلك التعليم إلى وزارات الزراعة والإدارة المحلية والخدمات نظرا لعدم امكانية قيامهنَّ بدورهنَّ التعليمي وهنَّ منقبات. هذا العدد الضخم من المنقبات في السلك التعليمي يشير إلى مدى انتشار النقاب في سورية.
ولا نعلم مدى الاحتجاج على إجراءات وزيري التربية والتعليم العالي. ولكن يمكن القول أن الجمهور الشعبي تفهّم هاتين الخطوتين وأبعادهما التربوية. ولم يمض وقت طويل على الوقوف في وجه مضار النقاب وسلبياته في العمليتين التربوية والتعليمية حتى تراجع النظام في اعقاب التحركات الشعبية في آذار 2011 وأعلن عن رفع الحظر عن ارتداء النقاب في المدارس والجامعات في محاولة لإرضاء الاوساط الدينية المحبِّذة للنقاب.

***

نقطة ضوء
والغريب أن الحجاب الشرعي السائد اليوم في ربيع 2015 بعد مرورر أربع سنوات على الآحداث، وكردة فعل على دعاة الإسلام المتزمت ، له نكهة خاصة تفوح منها نسائم عشق الحرية. فقد سمحت الفتيات و أعمارهنّ بين السادسة عشر والرابعة والعشرين، لأنفسهنّ بإرتداء الجينز الضيق والبلوز الملتصق بجسمها مما يسمح برؤية تقاطيع جسمها مقدمة ومؤخرة وكأنها فتاة سافرة. وهذا يعني ان ستر الشعر وإظهار تقاسيم الجسم الأنثوي هو التفاف على تشدد الدعاة أو الداعيات في ارتداء الحجاب. ومعروف أن أعداداً كبيرة من المجبات يسرن متبرجات دون أن يعترضهنّ احد مما يشير إلى روح التسامح السائدة في المجتمع. ويظهر ان اسلام بلاد الشام هو غير اسلام اليمن او السعودية ومن يسير في فلك الطالبان. واينما سار المرء في الأحياء المنفتِحة والتي تقوم فيها الحدائق والشوارع الواسعة يُشاهد سير الفتاة المحجبة برفقة شاب يتداولان "أطراف الحديث" بحشمة ووقار دون أن يحجب الحجاب نظرات الحب المعبِّرة عن مشاعرهما. ولذا يمكن القول أن الحجاب الشرعي في كثير من أزيائه يصبح قريبا من السفور المحتشم ولا يفترق عنه إلا بتغطية شعر الرأس.
ومقابل هذا اللباس نجد أنّ لباس القبيسيات لا يزال يحتل مساحة واسعة في الحقل النسائي. وهذا ما سنتناوله في حلقة قادمة.

نقطة ضوء ثانية
يبدو أنّ بعض مدرسي الديانة الاسلامية في سورية وغيرها من بلدان العالم الاسلامي يرون في انفسهم قضاة وليس دعاة، وهم على نقيض مع الخطاب الاسلامي الوسطي السمح، الذي لا يجيز قتل الكافر بل يترك أمره إلى الله، وفق موقف الرسول من قائد حربي قتل مرتدا اعلن الشهادتين بحجة ان اسلامه هدفه انقاذ حياته، فأجابه الرسول الكريم قولته المشهورة: "هلّا شققت قلبه"...

ونسوق مثالا واقعيا على اشتطاط بعض مدرسي الديانة وغيرهم في الواقعة التالية:
عام 1995 أتت تلميذة من بلدتنا ديرعطية إلى أمها وهي باكية ومرتعبة قائلة: "أنا ما بحب الله". استفسرت الأم المثقفة المستوعبة لأحكام الاسلام من ابنتها عن اسباب رعبها وموقفه هذا من الباري عزّ وجل . فأجابت البنت ما معناه:
مُدرّسة الديانة ذكرت لنا أنّ المرأة التي تكشف عن شعرها أمام الرجال مصيرها يوم الحساب عسير: تُربط من شعرها وهي متدلية والنار تشتعل من تحتها وألسنة اللهب تلامس مؤخرتها وهي تتعذب . وربطت البنت بين مصير هذه المرأة ومصير أمها السافرة يوم الحساب.
ذهبت الأم إلى المدرسة ولقّنت مدرسة الديانة درسا في الاسلام السمح، الذي تعيشه ، وليس اسلام مدرّسة الديانة التي نصبت من نفسها قاضية.
استميح عذرا من بعض القراء، الذين يرون الحجاب من شريعة الله وهذا اعتقادهم أو اجتهاد فقهائهم. وأُحيلهم إلى ما كتبه أحمد ناصيف أحد قراء هذه الصفحة، وهو رأي أعداد غفيرة من المسلمين، حرفيا:
" القرآن الكريم تناول الملابس بثلاث ايات بعضها خاص بنساء النبي بينما تناول العلم والعمل بسبعمائة آية ومع ذلك فإن الموروث التاريخي المشوّه ركز على اللباس والجنس بأكثر من ٩٠٪ من مروياته ومدوناته".
وما هو راسخ في ذاكرتي أن ثلاث آيات نزلن، اثنتان منعما متعلقتان بنساء النبي والآية الثالثة تحتمل التأويل والاجتهاذ. وآمل ألا أكون مخطئا.

كاتب هذه الاسطر آلى على نفسه ألا يخوض في القضايا الدينية، ولكنه وجد نفسه مدفوعا لهذا السرد دفاعا عن الاسلام الوسطي وهو ابن الحضارة العربية الاسلامية، متمنيا أن تنهض ثانية وتسير مع ركب الحضارة.
فالاسلام لم ينتشر بالسيف في كثير من اصقاع الدنيا، بل انتشر بقوة الحجة والموعظة الحسنة والاشراق النوراني...