كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عرفتو ليش؟.. "الخطاب"

معن حيدر
مع تصاعد الأحداث يوما بعد يوم، بعد انطلاق الثورة، منذ أول احتكاك بين السلطة والمتظاهرين في سوق الحريقة في دمشق، ثم أحداث المسجد العمري في درعا، والتظاهرات المتكرّرة أمام مجلس الشعب...
دعتْ بثينة شعبان، المستشارة في القصر، الصحفيين والاعلاميين في القطاعين الحكومي والخاص، لاجتماع بمكتبها في الروضة لمناقشة الأوضاع.
حينها أبدى الحاضرون بمجملهم رأيا واحدا يؤكد أنّ الفساد هو أساس كل هذه الأحداث، خاصة في محافظتي حمص ودرعا.
كما أكدوا على ضرورة أن يلقي الرئيس كلمة يصارح فيها الشعب ويطرح أمامهم خطط الدولة لتفادي تطور الأحداث نحو الأسوأ.
أبدتْ مباركتها للكلام، ووعدتْ أن تنقل مطلبنا للرئيس.
ولكن بعد يومين دعتنا لمؤتمر صحفي موسّع في قصر الشعب، لها وليس للرئيس، نقلناه على الهواء مباشرة إذاعيّا وتلفزيونيّا.
في المؤتمر أعاد الحاضرون طلبهم ضرورة أن يطلّ الرئيس شخصيّا في كلمة للشعب.
وأذكر أنّه حدث احتكاك قوي بين شعبان ومراسلة الـ BBC (سنجاب)، بسبب سؤال صريح وجّهَتْه لها بالإنكليزية، فأجابتها بنبرة حادة قريبة من التوبيخ، وأعتقد أنّ سنجاب غادرتْ سوريا بعد ذلك.
بعد ذلك بيومين أُبلغنا أنّ الرئيس سيُلقي كلمة في مجلس الشعب في 30 آذار.
كان التوجيه لنا أنّ الكلمة ستكون تصالحيّة، ومدّ اليد للجميع وما إلى ذلك.
وبالطبع عند مناسبات كهذه نبدأ بالتمهيد للخطاب قبل يومين أو ثلاثة بمضمون التوجيه نفسه:
(انتظار الخطاب الفاصل وانتظار ما يثلج الصدور)،
وفي يوم الخطاب نفتح استديو بث مباشر (على الهواء) قبل وبعد الكلمة ونستضيف فيه محللّين (وكانوا آنذاك دوائر، قبل أن يصبحوا مربعات).
ويومها، وحسب العادة بحكم موقعي كمدير عام، كنت في عربة النقل التلفزيوني أمام مجلس الشعب.
ابتدأ الخطاب.. وكانت المفاجأة! إذ خلا من أي مفردات حول المصالحة، واحتوى على تهديدات ناريّة، بل كان إعلان حرب، وتصعيديّا حتى النفس الأخير.
الأمر الذي أحدث إرباكا في الاستديو التحليلي بعض الشيء.
وكان شعوري حينذاك... لقد ضاعت سورية.
++وأنقل لكم ما رواه لي صديقي الحوراني، الذي حدّثتكم عنه في منشور سابق، عن خلفيات الخطاب وما حصل معه:
((بعد فترة قصيرة من اقتحام ومجزرة الجامع العمري والخديعة التي تعرضنا لها، وردني اتصال من محمد حمشو يرجوني فيه الحضور لمكتبه ليشرح الظروف والملابسات التي حصلتْ وأدّتْ إلى اقتحام الجامع.
تردّدتُ كثيرا، ولكنّي ذهبتُ بعد اتصال ثانٍ وإلحاح منه، فوجدتُ هناك نفس الأشخاص الذين شاركو في الاجتماعات السابقة.
برّر حمشو ما حدث مدّعيا أنّ معلومات (مؤكّدة) وصلتْ إلى القيادة من حسين مرتضى، مراسل قناة العالم، الذي أقام في درعا بضيافة الأمن وقتها، تفيد بوجود أشخاص متطرّفين غير سوريين دخلوا ليلتها الى الجامع، وأنّ القيادة وجدتها فرصة سانحه لتخليص أهالي درعا من شرورهم.
وبرّر أنّه تم اكتشاف أنّ المعلومات كانت مضَلِّلة، بعد فوات الأوان وحدوث المجزرة.
وقال بالحرف: (إنّ الرئيس بشار بدأ يدرك التعدّيات الأمنية الكبيرة.
وأنّه أدرك الدور الإيراني في تصعيد الحالة بعد أنْ علم بتفاصيل ما حدث، والتعديّات التي حصلت على المصاحف الموجودة في الجامع بكتابات فارسية تم تصويرها من قبل المنتفضين ونشرها في حينها).
وأضاف: (أنّ الرئيس يريد أن يصالح شعبه، وأنْ يتوجّه لهم بكلمة من منبر مجلس الشعب.
وأنّه مستعدّ لقول كلّ ما يمكن أنْ يعيد الهدوء إلى البلد، ويهدّأ من روع أهل درعا ويرضيهم.
وطلب منّا وضع تصوّر لَما يمكن أن تتضمّنه الكلمة من مفردات ومواقف تستجيب لمطالب الناس وتحقّق لهم عودة كرامتهم لنبدأ ببناء مرحلة جديدة من حياة سورية، وأنْ تتضمّن عبارات باللهجة الحورانية لترطيب الأجواء وتطييب خاطر الناس).
وتابع صديقي: من جديد صدّقنا ما قاله وبدأنا بإعداد نقاط رئيسية يمكن أنْ يتضمنها الخطاب، وتفننا باختيار معانٍ تجمع وتؤسّس للمرحلة الجديدة المزعومة.
وأعددنا مقترحا يتضمّن اثنتي عشرة نقطة رئيسيّة يمكن أنْ تتضمّنها الكلمة واخترنا بعض الكلمات باللهجة الحورانية من عادات وتقاليد أهل حوران.
بعد الانتهاء اتصل حمشو بالـ(القائد) ونقل له ما جرى، فطلب منه إرسال نسخة مطبوعة من المقترح... وتمّ ذلك.
وبعد قليل جاء الرد بموافقة الرئيس، حتى أنّه سيتدرّب على لفظ الكلمات باللهجة الحورانيّة ضمن الخطاب.
واقترح حمشو علينا أنْ نروّج للخطاب الذي سيكون مفصليّا، وسيعيد الأمور إلى نصابها، وسيفتح صفحة جديدة في تاريخ سوريا.
وخرجنا من الاجتماع بحالة النشوة إذ استطعنا القيام بدور لبلسمة الجراح.
في اليوم الموعود تسمّرنا أمام شاشة التلفزيون.. ولكن للأسف أُصبنا مرة جديدة بالاحباط... فقد تعرّضنا للخداع مرة جديدة...
وأودّ أن أنوّه أنّ فاروق الشرع أدلى بتصريحات للإعلام قال فيه:
انتظرو خطابا هاما من الرئيس.
وكما يبدو فقد تلقّى وعودا مشابهة، خصوصا وأنّه رفض الحل الأمني من البداية.
كان السؤال الذي يدور في أعماق كلّ منّا... هل كنا طيبين إلى درجة السذاجة... أم أنّ العقرب لا يُؤمن جانبها وكان علينا أن ندرك ذلك)).

هنا ختم حديثه وودّعني.