الزواج العرفي غير آمن وضحاياه نساء وأطفال.. امرأة تزوجت بأكثر من رجل بوقت واحد
امرأه تزوجت عرفياً ونسيت خانة وكنية الزوج.. وأخرى تزوجت بأكثر من رجل بوقت واحد
القاضي الشرعي الأول: الحرب ساهمت بزيادة الزواج العرفي وبعضه يتم عن طريق التواصل الاجتماعي
معالجة نفسية: تمحور شكل الزواج وهشاشة الانفصال والهجرة بين الأزواج
دمشق– ميليا اسبر– فينكس
نسيت خانة زوجها وكنيته
لم تكن الفتاة (س- م) التي تسكن في إحدى مناطق ريف دمشق تدرك أن زواجها العرفي سيوصلها إلى نتائج لا تحمد عقباه، الفتاة (س) التي كانت تعمل في محل سمانة مع والدها، تعرفت على شاب من حلب أحبته واتفقوا على الزواج عرفياً، وذلك بموافقة أهلها إلى حين أن يستطيعوا تثبيت الزواج في المحكمة، لكن ما حدث أنه بعد فترة انقطعت أخبارالرجل، وبحثوا عنه كثيراً دون جدوى، ليتبيّن لاحقاً أن الفتاة حامل وأنجبت ولداً، لكن المشكلة الأكبر أن الأهل لا يعرفون خانة الزوج ونسوا حتى كنيته. لم يبق أمام الزوجة و أهلها أي حلول، لذلك جاءت مع والدها إلى المحكمة الشرعية تسأل عن الحل، لكن الجواب كان صاعقاً أنه في مثل هذه الحالة لا يوجد حلول، إلّا إذا تعرفت على زوجها، و اذا لم تتعرف عليه فلن تستطيع تثبيت الزواج أو حتى الطلاق لأن زواجها غير مثبت رسمياً في المحكمة، بينما الطفل يأخذ نسب الأم.
تعدد الأزواج
ظاهرة تعدد الأزواج كانت سبباً من أسباب الزواج العرفي، فقد أقدمت السيدة (ز- ع) على الزواج من رجل آخر بعد فقدان زوجها الأول بفترة تقارب السنتين حين وصل خبر وفاته، لكن دون دليل ملموس، فهي لم تحصل على حكم تثبت فيه وفاة زوجها الأول، أو حكم اعتباره ميتاً وذلك بعد مضي أربع سنوات على فقدانه، ولكن كانت المفاجأة أن زوج السيدة (ز- ع) الأول ما زال على قيد الحياة وهنا الطامة الكبرى لأن في هذه الحالة يكون زواجها باطل ومخالف للشرع والقانون.
تلك نماذج من حالات كثيرة يمكن أن تتعرض لها المرأة نتيجة زواجها عرفياً، وتدفع ثمن قبولها لهذا النوع من الزواج، و قد ظهرت خلال الحرب العديد من تلك الحالات التي تكون نهايتها عدم استقرار المرأة وتدمير مستقبلها.
أسباب الزواج العرفي
القاضي الشرعي الأول المستشار محمود المعراوي أوضح لـ"فينكس" أن الزواج العرفي هو الذي يعقد خارج المحكمة الشرعية ويسمى أيضاً (كتاب الشيخ) أو (العقد البراني)، ولفت إلى وجود أسباب عديدة تجعل الناس تلجأ إليه منها صعوبة الحصول على الأوراق المطلوبة للزواج، لاسيما خلال فترة الحرب الصعبة، وخاصة رخصة الزواج للمكلفين والعسكريين ـ حيث كانوا يتزوجون عرفياً، وعندما تنجب الزوجة ولدها الأول يتقدمون إلى المحكمة الشرعية بدعوة تثبيت زواج، لأنه في حال وجود حمل أو ولد يقول القانون أنه يمكن تجاوز الوثائق المطلوبة (رخصة الزواج) لذلك ألغى المشرّع هذه الوثيقة من بين الوثائق المطلوبة للزواج، باستثناء العسكريين المتطوعين فقط، لافتاً أنّ هذا التعديل حصل بموجب القانون رقم 4 لعام 2019 المتضمن تعديل بعض مواد قانون الأحوال الشخصية، وقد ساهم في تخفيف نسبة الزواج العرفي، مشيراً إلى وجود عامل آخر أفرزته الحرب وهو خروج بعض المناطق عن السيطرة وعدم تمكن الأهالي من الوصول إلى المحكمة الشرعية، إضافة إلى هجرة الكثير من الشباب للخارج، وهناك تحتاج معاملة الزواج إلى وكالة فلا يستطيعون ارسالها إما لعدم وجود تمثيل دبلوماسي في البلد المتواجدين فيه أو لأنهم لاجئون، وفي هذه الحالة لا يستطيعون الذهاب إلى السفارة لكي لا يسحب اللجوء منهم، لذلك يضطروا لإجراء عقد زواج عرفي عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تقدم الزوجة دعوى اثبات زواج، منوهاً إلى وجود سبب آخر مرتبط بالعادات والتقاليد الموروثة حيث ما زال عالقاً في أذهان الناس أنه قبل التسجيل في المحكمة الشرعية يجب عقد القران عند الشيخ للبركة ورجاء دوام الألفة والمحبة بين الزوجين.
ضياع حقوق الزوجة والطفل معاً
وأشار المعراوي إلى وجود الكثير من الآثار السلبية للزواج العرفي، أبرزها ضياع حقوق الزوجة وصعوبة تثبيت الزواج ونسب الطفل، لأن أغلب الشهود والعاقد هم من قبل الزوج، لذلك ربما لا تستطيع الزوجة التعرف على أشكالهم ولا حتى أسماءهم في حال أنكر الزوج العقد، أو سافر أو فُقد لأي سبب أو ربما توفي، سيضيع حق الزوجة ولن يكون بإمكانها تثبت الزواج في المحكمة مما يعرضها للإساءة بسمعتها، مضيفاً أنّ بعض الأشخاص ممن يعقدون الزواج ليس لديهم الخبرة الكافية بأحكام الزواج من حيث شروط الانعقاد و صحته، ربما يعقُد زواجاً فاسداً أو زواج قاصر بدون اذن ولي أمرها، وهذه مشكلة في القانون، مؤكداً أنّ الأخطر من ذلك وجود نساء متزوجات ولديهن أولاد، حيث فُقد زوجها لسبب ما وبعد فترة تسمع خبر وفاته دون أن تتأكد وبعد انقضاء عدتها تتزوج من رجل آخر، ليتبيّن لاحقاً أنّ الخبر كاذب وأنّ زوجها لا زال على قيد الحياة، كاشفاً أنه وصل إلى المحكمة الشرعية عدد لا بأس به من حالات تعدد الأزواج، خاصة من الأماكن التي كانت خارجة عن السيطرة وتحررت لاحقاً مثل الغوطة وغيرها، حيث تكون الزوجة على عصمة زوج أول ومتزوجة من ثاني ولها منه أولاد، موضحاً أن المشكلة الأكبر إذا لم تستطع الزوجة طلاقها من الزوج الأول أو أنه مفقود ومضى على فقدانه أربع سنوات لكي تتمكن من رفع دعوى اعتبار المفقود ميتاً، أما اذا كان خلال الأربع سنوات من فقدانه فهنا المشكلة، لأن هناك من كان يفتي في المناطق المحاصرة مما يسمى بالهيئات الشرعية بأن الزوجة بعد سنة أو ستة اشهر من فقدان زوجها تصبح مطلقة حكماً، وهذا حكم غير صحيح طبعا في القانون ولا في الشرع الاسلامي.
زيادة العقوبة
القاضي الشرعي الأول بدمشق كشف أنه نتيجة هذه المساوئ الكثيرة التي ظهرت في ظل الحرب من عقد الزواج العرفي، فقد عممت وزارة الأوقاف على جميع العلماء وأئمة المساجد والخطباء بمنع كتابة أي عقد عرفي. وكذلك وزارة العدل قامت بتقديم مشروع قانون زيادة العقوبة على الزواج العرفي بعد أن كانت عقوبته لا تتجاوز الغرامة، لذلك تم اقرار هذا المشروع بالقانون رقم 24 تاريخ 10/6 /2018، فأصبحت عقوبة اجراء الزواج العرفي تتراوح بين الغرامة 25 ألف وتصل للحبس سنتين في حالات العقود الباطلة.
البحث عن الدوافع
للزواج العرفي تبعيات نفسية على الزوجة والطفل بشكل خاص وعلى المجتمع بشكل عام.
المعالجة النفسية الدكتورة مرسلينا حسن بيّنت أن الزواج العرفي ليس الوحيد من الزجيات المؤذية للمرأة وللطفل، و أن أي سلوك أو ظاهرة لا بد من البحث عن دوافعها، وبالبحث عن دوافع مثل هذا الزواج نجد أنه ربما يحقق رضا أو راحة مؤقتة أو بحث عن أمان في مرحلة قد تكون المرأة مظلومة لدى أسرتها، علماً أن المرأة الي تكون مستقرة بعائلتها وعملها يكون اقبالها على الزواج العرفي أقل بكثير من النساء غير المستقرات ماديا واجتماعياً، إضافة إلى الحاجة الجنسية وتأخر سن الزواج وهجرة الشباب بنسبة كبيرة، حيث قللت الحرب من فرص الزواج، إضافة إلى الظروف الاقتصادية التي أصابت أغلب الأسر في الحرب لا سيما في المدن التي تدمرت وتعرصت لحصار ولتدمير.
أكثر هشاشة
وذكرت د. حسن أنّ النساء والأطفال أكثر الفئات هشاشة في الحروب، لكن بكل الأحوال، فإنّ الآثار النفسية تكون سلبية على المجتمع عموماً لأن وجود أطفال من زواج غير مُسجّل في المحكمة يؤدي إلى تفاقم نزعات العنف، فالأطفال الذين يأتون إلى أسرة غير مستقرة يبقون يعيشون شبه انكار لهم، موضحة أنّ المرأة التي وافقت على الزواج العرفي حكماً تعيش حالة كبت من اللحظة التي وافقت فيه على هذا الزواج، أو تزوجت سراً ربما تكون قد تحررت جزئياً من طاقاتها الجنسية، لكن علاقة جنسية متكافئة وتحقق لها راحة و اشباع لمشاعرها وحاجاتها لن تكون بهذا الشكل، من هنا نقول أن هذه العلاقة غير آمنة.
تمحور شكل الزواج
الزواج استحقاق للرجل والمرأة من أجل استمرارية المجتمعات، ولكن للأسف في ظل الحرب و الحياة المعاصرة أصبح شكل الزواج والأسرة يتعرض لتغيرات وتمحور كبيرين، يعني هناك هشاشة وسهولة بموضوع الانفصال وهجرة الزوجين أو الطلاق النفسي، وأنّ المرأة التي تقبل بمثل هذه العقود من الزواج، فإنها تتوقع فشله منذ البداية، وتالياً تزيد ضعفها وضياعها، لذلك يمكن ان تعيش صدمة، و هذا يعتبر انتكاساً بنموها النفسي وبمفهومها عن ذاتها حسب ما قالته د. حسن، وأنه يمكن حصر النساء المتزوجات عرفياً و إعادة تأهيل في المجتمع، وهذا يساهم بالتخفيف من آثاره السلبية قدر الامكان، ومن أجل ألا يتورطوا بعلاقة زواج مشابهة.
وذكرت د. حسن أنه خلال عملها صادفت حالات كثيرة تكون فيها المرأة متزوجة عرفياً من رجل ثاني، و زوجها الأول مغيّب وغير معروف عنه أي شيء إما سافر أو مخطوف أو معتقل، و لا تعلم اذا كان بحكم الأموات، منوهة أن بعض النساء كن يعتقدن أن الموضوع (شطارة) وهذا بالتأكيد خلل نفسي لديهن حيث كانت بعضهن تتزوج، غير الزواج العرفي زواج آخر، وقد تكررت هذه الحالات كثيرة من خلال مراجعات النساء لعيادتها النفسية، منوهة أنّ هذا الموضوع ملاحظ بكثير من المجتمعات، وأيضا بسبب الحروب والنزاعات.
وأخيراً
يمكن القول أن الزواج العرفي غير مستقر، وفيه ضياع لحقوق المرأة، لذلك من الضروري والواجب توعية المرأة بخطورة هذا الزواج وعدم القبول فيه مهما كانت الظروف، وذلك لحمايتها والحفاظ على كرامتها، لأنه في نهاية المطاف الزواج العرفي يؤثر سلباً ليس على الفرد فقط وإنما على المجتمع بأكمله، وربما يؤدي إلى انهياره أخلاقياً واجتماعياً.