تراتيل على سفح صفون.. حين ينتظر أهل أوغاريت عودة الإله بعل راكب الغيوم
2026.05.02
د. غسّان القيم
"تراتيل على سفح صفون.. حين ينتظر أهل أوغاريت عودة الإله بعل راكب الغيوم"
""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""
في تلك اللحظة التي يختلط فيها الحلم بالذاكرة وتتشابك الأزمنة كما تتشابك جذور أشجار الزيتون في تراب الساحل السوري الأصيل كنتَ تمشي نحو الصوت.. لا تهتدي إليه بقدمين بل بقلبٍ يعرف الطريق منذ آلاف السنين.
هناك، عند عتبة مدينة أوغاريت حيث الحجارة تحفظ همسات الكهنة وحيث الريح ما تزال تحمل رائحة البخور القديم ارتفعت التراتيل كأنها صدى ولادةٍ أولى للسماء.
لم تكن أصوات الناس مجرد دعاء بل كانت رجفة أرضٍ تخشى أن يُطيل الغياب.
رأيتهم رجالاً ونساءً شيوخاً وأطفالاً وقد اصطفّوا كسنابل تنتظر المطر رافعين أيديهم نحو جبل صفون ذلك الجبل الذي لم يكن حجراً فحسب بل عرش الغيم ومسرح اللقاء بين الأرض والآلهة.
عيونهم مشدودة إلى القمّة كأنهم يرون ما لا يُرى..
كأنهم ينتظرون حركة في الغمام أو ومضة برق تقول إن بعل لم ينسَ.
وكان الاسم يتردّد بينهم كنبضٍ واحد:
بعل.. بعل العليّ.. راكب الغيوم.
أيها الإله الذي يُولد مع المطر ويغيب مع القحط
ويعود مع أول ارتعاشة برق في صدر السماء.
أيها النعمان الذي لا يُعبد خوفاً بل رجاءً
ولا يُستدعى رهبةً بل حباً.
كانوا ينادونه كما يُنادى الغائب الحبيب لا كإله بعيد بل كأبٍ تأخر عن موعد الحصاد.
في تلك التراتيل لم تكن الكلمات وحدها هي التي ترتفع .
بل تاريخٌ كامل من القلق والانتظار.
كانت الحناجر ترتجف بما يشبه البكاء لأن غياب بعل لم يكن مجرد أسطورة
بل كان جفافاً في السنابل
وصمتاً في الحقول
وقلقاً في عيون الأمهات.
ثم..
كأن السماء سمعت.
اهتزّ الأفق البعيد ومرّت نسمة باردة فوق الجباه المتعبة فارتفعت الأصوات أكثر واشتدّ الدعاء وكأنهم يستعجلون المعجزة. كانوا يعلمون كما علم أسلافهم أن عودة بعل ليست حدثاً سماوياً فحسب بل ولادة جديدة للأرض
عودة الخصب
امتلاء الجرار
وامتلاء القلوب.
وهناك في تلك اللحظة المعلّقة بين الرجاء والتحقق شعرتَ بأني لا أقف في زمنٍ غابر بل في قلب دورة أزلية لا تنتهي.
حيث الإنسان ينادي والسماء تُصغي.
وحيث المطر ليس ماءً فقط.
بل وعدٌ بالحياة.
هكذا كانت أوغاريت.
وهكذا بقيت في روحك:
مدينةً تصلي
وجبلٌ ينتظر
وإلهٌ يعود كلما صدق النداء.
إن ما كان يميز "بعل" في وجدان أهلنا الأوغاريتيين أنه لم يكن إلهاً متعالياً يسكن الأبراج العاجية بل كان "الفلاح الأول". هو الذي يصارع التنين (يم) ليحمي الشواطئ وهو الذي يصارع الجفاف (موت) ليحمي الرغيف.
حين كان الأوغاريتي ينادي "يا بعل" كان ينادي السند
والصديق
والرزق الذي يسكن في "كوار" القمح.. قيامة الخصب عندما كانت تعود الحياة وتشقّ النبتة الخضراء أديم الأرض
كان الأوغاريتيون يحتفلون بقيامة "بعل".
هذه المطرة (مطرة أيار) كانت هي في الوعي السوري القديم "دموع الفرح" أو "ضحكة بعل" الأخيرة قبل أن يودع الأرض ليستريح.
إن تلك التراتيل التي نسمعها ليست صدىً للماضي فحسب بل هي "الشيفرة الوراثية" التي تجعل السوري اليوم رغم كل شيء يرفع رأسه للسماء مع أول رعدة ويقول بقلبه:
"يا جبار الخواطر.. يا بعل الزمان والمكان".
بين صلاة الأوغاريتي قديماً على جبل صفون وبين "صلاة الاستسقاء" أو أهازيج الأطفال "يا ربي تشتي" اليوم.. هل تعتقدون أن الوجدان السوري قد غيّر لغته أم أنه ما زال يخاطب "رب المطر" بذات اللهفة العتيقة؟...
*********
"قصي من لسانك وزيدي ع التنورة منو بتدفي سيقانك ومنو بتضلي مستورة"
""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""*"""
في هذا المثل الشعبي تختبئ حكمة الجدّات كأنها خيط صوفٍ امتدّ من موقدٍ قديم إلى حاضرنا.
“قصّي من لسانك وزيدي عالتنّورة” ليست دعوة للصمت بقدر ما هي نداءٌ إلى التوازن إلى أن تحفظ المرأة والإنسان عموماً كرامته في القول كما يحفظ جسده بالستر.
تخيله يُقال في صباحٍ ريفيّ حيث تنبعث رائحة خبز التنور، وتجلس امرأة حكيمة على عتبة دارها الطينية تراقب بناتها وهنّ يكبرن بين الحقول. فتهمس بهذه الكلمات لا كأمرٍ قاسٍ، بل كوصية مغزولة بالحب.
أن الكلمة قد تجرح كما يجرح البرد وأن الصمت أحياناً عباءة، كما أن التنورة دفءٌ وستر.
في هذا القول تختلط الأخلاق بالمعيش اليومي، فاللسان هنا ليس مجرد عضو بل هو مرآة الهيبة والتنورة ليست ثوباً فحسب بل رمز للوقار والانتماء كأن المثل يقول:
زيني نفسك بالحكمة كما تزينين جسدك بالثوب واحفظي حضورك بين الناس كما تحفظين دفء ساقيك في برد الشتاء.
إنه مثلٌ يولد من بيئة تعرف قسوة الحياة فتعلّم أبناءها الاقتصاد في كل شيء.
في الكلام كما في القماش
في الانفعال كما في الزينة.
وهكذا يبقى يتردد لا كعبارة عابرة
بل كترتيلة ريفية عتيقة تحمل في طيّاتها دفء البيوت
وهيبة الصمت
وجمال الاعتدال.