أرض الديري في زاما
2026.02.22
سيمون خالد علي
تقع قرية زاما ضمن ناحية عين الشرقية في منطقة جبلة، في بيئة جبلية تتدرج فيها الارض على شكل مدرجات مزروعة باشجار الزيتون، وتتخللها كتل صخرية كبيرة تشهد على طبيعة جيولوجية صلبة استثمرها الانسان عبر قرون. وفي الجهة الجنوبية الشرقية من القرية، بين زاما وعين الشرقية، تمتد منطقة تعرف محليا باسم ارض الديري. الاسم يحمل دلالة تاريخية، لانه مشتقا من كلمة دير، مما يشير الى وجود منشاة رهبانية قديمة اندثرت وبقي اسمها في الذاكرة المكانية.
تكشف المعطيات الميدانية الموثقة في اوائل تسعينات القرن العشرين عن وجود موقع اثري مهم في هذه المنطقة، يتمثل في خمسة مدافن محفورة في الصخر تقع على الحافة الصخرية لاحد المدرجات في القسم الاعلى من ارض الديري. يتوزع هذا المجمع الجنائزي بين مدفنين فرديين وثلاثة مدافن جماعية، احدها يتسع لثلاثة اشخاص، بينما المدفنان الاخران متصلان من الداخل وقد تعرضا لتخريب وتشوه جعل من الصعب تحديد سعتهما الاصلية. هذا النمط من الدفن، الذي يجمع بين الفردي والعائلي او الجماعي، ينسجم مع الممارسات الجنائزية المعروفة في الريف السوري خلال العصر الروماني، حيث كانت الاسر تستخدم حجرات منحوتة في الصخر لدفن افرادها على مراحل زمنية متعاقبة.
امام هذه المدافن مباشرة عثر على تابوت حجري كبير منحوت من الصخر، ابعاده تقريبا 230 في 130 في 60 سم، وقد فقد غطاءه وتعرضت جوانبه الاربعة لتكسر شديد، خاصة الواجهتين الامامية والخلفية، حتى اصبح في حالته الراهنة اقرب الى كتلة صخرية مهشمة منه الى تابوت واضح المعالم. غير ان سكان القرية يؤكدون انه حتى فترة ليست بعيدة كانت واجهتا التابوت تحملان نقشين بارزين، احدهما يمثل هلالا والاخر نجمة خماسية. وقد عثر بين الصخور المتناثرة قرب التابوت على حجر يحمل رسم الهلال، واكد الاهالي انه هو نفسه الذي كان مثبتا على احدى واجهات التابوت.
الرموز الفلكية كانت شائعة في الفن الجنائزي في سوريا خلال العصرين الهلنستي والروماني، وقد ارتبط الهلال احيانا بعبادات محلية او بعناصر حماية رمزية، بينما استخدمت النجمة باشكال مختلفة كعلامة دالة على السماء او القدر او الخلود. ولا يوجد ما يدعم القراءة الشعبية التي تربط التابوت باميرة او بنت ملك، لكن من الواضح ان ضخامة التابوت وزخرفته النسبية دفعت المخيلة المحلية الى تسميته سرير بنت الملك، واضافة عنصر مواز له هو كرسي بنت الملك، الذي لم يتم العثور عليه ميدانيا. هذا التحول من تابوت جنائزي الى سرير اسطوري يعكس الية معروفة في المجتمعات الريفية، حيث يعاد تفسير الاثار القديمة ضمن سرديات رمزية تمنحها معنى مفهوم في اطار الثقافة المحلية.
الى جانب المدافن والتابوت، لوحظ وجود كتل حجرية ضخمة متناثرة بين الاشجار الكثيفة قرب مزار الشيخ عيسى، تبدو بوضوح كعتبات ابواب او اجزاء من جدران بناء كبير. كما عثر على حجر مزخرف بعناية فائقة، يرجح انه كان جزءا من عنصر معماري مهم، ربما قاعدة عمود او جزءا من واجهة مبنى، الا ان القسم الاكبر منه كان مطمورا تحت التراب ولم يتم توثيقه تصويريا بشكل كامل. هذه العناصر المعمارية تشير الى ان الموقع كان جزءا من نسيج عمراني اوسع، قد يكون معبدا ريفيا في المرحلة الرومانية او منشاة دينية او رهبانية في الفترة البيزنطية اللاحقة.
اهمية الموقع تتعزز بمعلومة تعود الى خمسينيات القرن العشرين، حين اكتشفت في زاما صدفة شاهدتا قبر مصنوعتان من الحجر البركاني، عليهما صور اشخاص وكتابات يونانية، وقد نقلتا الى المتحف الوطني في دمشق. الكتابة اليونانية جنائزية تمثل دليلا واضحا على ان المنطقة كانت مندمجة في الفضاء الثقافي الروماني، حيث استمرت اليونانية لغة للكتابة والادارة والثقافة حتى في المناطق الريفية. اما تصوير الاشخاص على الشواهد يبين مستوى من التمثيل الفني الجنائزي يرتبط عادة بمجتمعات مستقرة نسبيا وقادرة على تكليف نحاتين محليين بصنع شواهد مميزة لمدافنها.
عند جمع هذه العناصر معا، تتشكل صورة متكاملة نسبيا: مدافن صخرية متعددة، تابوت حجري مزخرف برموز فلكية، شواهد جنائزية مكتوبة باليونانية، وعناصر معمارية ضخمة توحي بوجود بناء مهم. كل ذلك يرجح بقوة ان الموقع نشا في العصر الروماني، على الارجح بين القرنين الثاني والرابع الميلاديين، مع احتمال استمرار استخدامه او اعادة توظيفه في العصر البيزنطي، خاصة اذا اخذنا بعين الاعتبار اسم ارض الديري الذي قد يحفظ ذكرى دير اقيم في المنطقة بعد انتشار المسيحية.
كما ان الموقع ينسجم مع نمط معروف على الساحل السوري، حيث تتجاور المدافن الصخرية والتوابيت مع بقايا مبان عامة او دينية في القرى الجبلية المحيطة بجبلة وطرطوس. هذه المناظر الجنائزية الريفية تبين تداخلا بين التقاليد المحلية القديمة والتاثيرات الهلنستية والرومانية، ثم التحولات المسيحية اللاحقة. وفي مثل هذه الاماكن، غالبا ما تستمر الذاكرة الشعبية في نسج روايات حول الملوك والاميرات والقديسين لتفسير الاحجار الصامتة.
ان توثيق هذا الموقع بشكل علمي دقيق، سواء عبر اعادة تصوير المدافن والتابوت، او عبر تتبع شاهدتي القبر في سجلات المتحف الوطني، يمكن ان يضيف صفحة مهمة الى تاريخ جبلة وجبالها، ويحول قصة سرير بنت الملك من حكاية شعبية الى مدخل علمي لفهم هوية المكان عبر العصور.
---------------------------------------------------------------------
ابراهيم عميري، سلسلة الجبال الساحلية، اللاذقية، دانية للطباعة والنشر، 1995.
الحوليات الاثرية العربية السورية (AAAS)، المديرية العامة للاثار والمتاحف، دمشق، مجلد 7، 1957.
Inscriptions Grecques et Latines de la Syrie (IGLS)، سلسلة النقوش اليونانية واللاتينية في سوريا، باريس.
Ross Burns، Monuments of Syria، لندن، I.B. Tauris.
سجلات المتحف الوطني بدمشق، المديرية العامة للاثار والمتاحف.