كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

هل إنتهت مهمة الأتراك في تخريب المنطقة؟

د. عبد الوهاب أسعد

هاجمت القبائل الجرمانية المتخلفة روما وحطمت أعرق مدنية في التاريخ. وكذلك فعلت القبائل الرعوية القادمة من وسط آسيا وأبادت كل ما وقع في طريقها حتى وصلت القسطنطينية ودمرت الحضارة البيزنطينية الشهيرة، ومن ثم إجتاحت العالم العربي والذي غرق في المذابح والتجهيل زهاء خمسة قرون!
في الحرب العالمية الأولى وقفت تركيا العصملية إلى جانب ألمانيا ومن بعد خسارتها الحرب إجتاحتها القوى الأوروبية المنتصرة. قام الضباط العصمليون بقيادة جمال باشا المعروف بالسفاح أولا ومن ثم بقيادة مصطفى كمال بالإنقلاب على السلطنة وإنشاء الجمهورية، وفي أثناء ذلك افتعلوا المجازر بالأرمن والكورد والسريان واليونان والعلويين وغيرهم. واتبعوا سياسة تهجير القوميات غير العصملية، فمدينة إزمير مثلا كانت بأغلبيتها أرمنية يونانية، لم يبق فيها أحد منهم!
وفي العشرينات من القرن الماضي تمكنت تركيا من ضم مساحة من شمال سوريا تعادل نصف مساحة سوريا الحالية، وقبيل الحرب العالمية الثانية ضمت لواء إسكندرون أيضا.
وعلى الرغم من سياسة المذابح والتهجير العصملية المتبعة إلّا أن الأتراك اليوم لا يشكلون أكثر من نصف سكان تركيا، والنصف الآخر أكراد وسوريون وأرمن ويونان وآخرون.
يدين العصمليون بالإسلام السني ويضطهدون المخالفين لهم (وربما بلغ تعداد العلويين الأكراد والسوريين والأتراك ما يزيد عن العشرين مليون) وهم بطبيعة معتقدهم علمانيون بعكس الطبقة الحاكمة المتعصبة المتزمتة!
في بداية الخمسينات من القرن الماضي إنضمت تركيا لحلف الناتو الأمريكاني، وأصبحت تركيا شوكة مؤلمة بخاصرة الإتحاد السوڤييتي وفي الوقت نفسه رأس جسر للسياسات الغربية الإستعمارية في العالم الإسلامي والحليف الأول لإسرائيل!
يتفق جميع الأتراك على العداء للعرب ويتهمونهم بأنهم فضلوا الإستعمار الغربي الصليبي على (إخوانهم) العصمليين المسلمين. ويجاهر الأتراك جميعهم بهدفهم إعادة إحتلال سوريا والعراق، وثبتوا ذلك في دستورهم من عام ١٩٢٣ وبأن ذلك من واجب الحكومات التركية المتعاقبة.
حزب إردوغان الحاكم خليفة حزب نجم الدين الإخونجي. والذي تزعم الحركات الإسلامية السنية في المنطقة وتنفيذ سياسات الغرب بالشركة مع إسرائيل.
كان حافظ الأسد متنبها يقظا للمطامع التركية، ولكن الأهبل بشار وبنصيحة المستشارين الخونة عقد إتفاقيات أمنية إقتصادية مع تركيا مجحفة بحق سوريا أدت لضرب الإقتصاد السوري والعبث بالأمن السوري.
تولت تركيا وبدعم أموال الخليج خصوصا قطر من تجميع المرتزقة/ المجاهدين الإسلامويين وزجهم في المحرقة السورية، إلى أن تمكنت أخيرا وبمساعدة بالغة من روسيا المسيطرة على الدولة والجيش السوري من قلب النظام (العلماني) المتهالك الفاسد وتسليم الإسلامويين السلطة!
خدع الذئب العصملي الخبيث (في تركيا يوجد منظمة يمينية متطرفة تسمي نفسها بالذئاب) الروسي بوتين وأظهره عاريا مرات عديدة وبذلك تجددت العداوة التاريخية ما بين روسيا وتركيا.
ظن الذئب العصملي ومن خلال مندوبه السامي في (شام شريف) أنه قد إقترب من تحقيق حلمه بإبتلاع سوريا، خصوصا ومن بعد تعاونه مع الروس والإسرائيليين بطرد الإيرانيين من المنطقة. ولكن وفي واقع الأمر أصبح شرق المتوسط منطقة نفوذ أمريكية وسيطرة إسرائيلية مباشرة، وأصبحت العاصمة دمشق بما فيها مكتب المندوب السامي التركي تحت مرمى مدفع متوسط العيار للقوات الإسرائيلية!
وأكثر ما يخشاه العصملي اليوم هو أن تقوى شوكة تنظيمات الكورد (لهم حساب مفتوح مع تركيا) والذين يحظون بدعم أمريكي إسرائيلي، وتتجه إلى الداخل التركي لأجل تفكيك تركيا وإقامة دولة الكورد، وهذا لم يعد مستبعدا في المدى المنظور.
ولأجل حل مشاكلها في أوروبا الشرقية وتقاسم الثروات اختارت موسكو التعاون مع واشنطون وتل أبيب وأصبحت مساعدا لهما في شرق المتوسط.
اقتربت إسرائيل رأس حربة الأمريكان من تحقيق هدفها بالسيطرة على شرق المتوسط، وهي بذلك ترفض رفضا قاطعا مشاركة الأتراك أو غيرهم، وخصوصا أنها لا تأمن جانب أية حركة إسلامية مهما كان شكلها وتركيبتها.
وبالعودة إلى العنوان نجد أن وظيفة تركيا بمحاصرة روسيا قد إنتهت عندما أصبحت روسيا حليفة لأمريكا، وكذلك وظيفة تركيا رأس جسر للعالم الإسلامي أيضا في حكم المنتهية. وأصبح حلم تركيا بإبتلاع سوريا من المستحيل، وأما حلم تركيا بالقضاء على قوة الكورد فقد أصبح العكس أكثر إحتمالا، وإذا تحالف الكوردفي سوريا والعراق وربما إيران مع أولاد عمومتهم المضطدين في تركيا ومع العلويين المضطهدين أيضا فسوف يكون بإمكانهم تفكيك تركيا، وخصوصا وأن أمريكا إسرائيل لم تعد بحاجة لخدمات تركيا المنتهية الصلاحية.
خرائط غرب آسيا ترسم من جديد!