كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

اقتصاد التهجير: من النار إلى القانون.. كيف تحوّل السوري من مواطن إلى فائضٍ سكاني على خريطة الوطن

د. ياسين العلي

لم تكن الحرب وحدها من هجّرت السوريين، فحين سكتت المدافع وتراجع صوت الرصاص وتوقفت الطائرات عن قصف المدن، اكتشف الناس أن الخطر لم يكن في البراميل التي أسقطت الأسقف فوق رؤوس العائلات، بل في القوانين التي أسقطت المعنى فوق حجارة البيوت المهدّمة. هناك، في الزمن الذي قيل إنه زمن ما بعد المعركة، وُلد شكل جديد من التهجير، تهجير لا يحتاج إلى دخانٍ أو صراخ، بل يحتاج إلى سطرٍ واحد في صحيفة رسمية يشطب وجود مئات العائلات من خريطة المكان. لقد اختار النظام القديم أن يُكمل ما بدأه بالنار عبر الحبر، وأن ينتقل من التهجير بالقصف إلى التهجير بالقانون، ليظهر ما يمكن تسميته اليوم بـ«اقتصاد التهجير»؛ اقتصاد لا يُبنى على الإنتاج ولا على الناس، بل على اقتلاع الناس أولاً وتحويل الأرض إلى أصل قابل للبيع والاحتكار.

حين صدر المرسوم 66، ظنه البعض مشروعاً للتنظيم العمراني، لكن المناطق التي شملها لم تكن عشوائية كما صُوّرت، بل كانت خزّان الفقراء والطبقات التي حملت العبء الأكبر من سنوات الصراع. لم يكن المطلوب تنظيم السكن بقدر ما كان المطلوب تنظيم البشر، إعادة فرزهم وفق خريطة الولاء والجدوى. وبعد سنوات، جاء القانون 10 ليضع الخاتمة الباردة: مهلة قصيرة لإثبات الملكية، ومن لا يستطيع العودة أو لا يملك أوراقه، يتبخر من السجلات كأنه لم يسكن يوماً في ذلك الشارع ولم يفتح نافذته على تلك الجهة من المدينة. كان القانون هذه المرة أكثر وضوحاً من القذيفة: الأرض لمن بقي في الداخل لا لمن خرج قسراً، والمدينة لمن يملك الصوت لا لمن يملك الذاكرة.

وبعد سقوط النظام وعودة عشرات الآلاف من النازحين واللاجئين إلى مدنهم وقراهم بحثاً عن بيوتهم، حمل الناس ما تبقى من وثائق وذكرياتهم واتجهوا نحو المؤسسات مطالبين بحقٍّ بسيط: بيت يأويهم. لكنّ الإجابة جاءت بوجهٍ آخر للعبث: “نؤجّل، ندرس، نشكّل لجنة، نحتاج وقتاً…”. لجان فوق لجان، ووعود تتدلى من حبال الانتظار، بينما الخيام تنتظر خارج المدن، والنساء يحملن أطفالهن على الأرصفة، والرجال يبحثون عن سقف بأي ثمن. وفي اللحظة نفسها، حين تعلق الأمر بأملاك رموز السلطة ورجال الفساد وكبار المنتفعين، لم تحتج حكومة ما بعد النظام إلى لجان ولا إلى تأجيل. مُلكية الفاسدين حُجزت بسرعة، وصودرت بسرعة، واتُّخذت القرارات بسرعة، ووزعت للأثرياء الجدد الذين استوطنوا ذات أملاك و ديار الفاسدين، وكأن يد الدولة لا ترتجف إلا حين تلامس جيب الفقير. وهنا عاد السؤال المؤلم: لماذا يُطلب فقط من من لا يملك مأوى أن يصبر ويتحمّل؟ ولماذا يصبح الفقير وحده مادّة للتجريب والمماطلة، بينما تُدار العدالة بمقاسين على أرض واحدة؟

بهذا الشكل، تحوّلت الجغرافيا إلى غنيمة، وصار البشر عبئاً على الخرائط. لم يعد السوري مالكاً لبيته، بل تحول إلى «مساهم» في مشروع لا يتحكم فيه، أشبه بضيف يقطف ثمار شجرة زرعها في أرض لم تعد تُنسب إليه. تحولت لعبة العمران إلى سياسة إقصاء صامتة تمنح الامتيازات للمستثمر المحظي، وتمنح الهواء والغضب للذين طُردوا من منازلهم. صار التنظيم العمراني نسخة أخرى من الصراع، لكن بلا دبابات هذه المرة، بل بمهندسين ومحامين ومسّاحين يرسمون خطوطاً جديدة للمدينة، ثم يدعون الناس لتصديق أنها خريطة الغد.

في هذا المشهد، يدرك السوري أن منزله لم يكن حجارة فقط، بل ذاكرة كاملة: صوت الجارة على الدرج، رائحة الخبز في الصباح، ظلّ شجرة كان يعود ليجلس تحتها بعد يوم طويل. القانون لم يهدم الجدران، بل هدم الذاكرة. ولذلك فإن التهجير بالقانون كان أعمق من التهجير بالنار، لأنه لم يكتفِ بإخراج الجسد من المكان بل حاول إخراج المكان من الذاكرة أيضاً.

واليوم، بينما تُرفع شعارات “العودة” و“الإعمار”، يكتشف الناس أن المفاتيح التي أخفوها لسنوات في مخابئ الحقائب لم تعد تفتح شيئاً، وأن عودتهم بلا بيت وذاكرتهم بلا عنوان. وحين يُقال للفقير أن ينتظر، بينما تُستعاد أملاك السلطة ورجالاتها بسرعة البرق، يتحوّل الصبر إلى غضب. فحين يصبح الظلم جزءاً من الإجراءات الرسمية، يصبح الانفجار جزءاً من المستقبل القريب.

العدالة وحدها هي التي تعيد إعمار المدن قبل الإسمنت، وتعيد الوطن إلى ناسه قبل الشركات، وتعيد للعودة معناها لا صورتها. لا يمكن لسورية أن تنهض على خرائط بلا ناس، ولا على قوانين تمحو البيوت ثم تدعو أصحابها للعودة. إن إنهاء اقتصاد التهجير شرط لأي استقرارٍ قادم، وإلا ستبقى البلاد مشروعاً مؤجلاً، ووعداً مكسوراً، وذاكرة تبحث عن بابٍ لم يعد موجوداً.

دبلوماسية “المبادئ الخمسة” الصينية
كمال خلف الطويل يرد على طروحات الحاكم الأسبق لمصرف سورية المركزي
هل البعث هو المساهم الأكبر بتكوين ذهب سوريا؟ هل نُهب المركزي لتمويل هروب رفعت؟
ورقة 500 ليرة السورية القديمة (الملحفة) أو (الطربوش)
عن العملة السورية طبعة 1958
بعض الأفكار حول عملية تبديل العملة
الصكوك الخضراء والاقتصاد المستدام: نحو هندسة مالية لإعادة تشكيل الاقتصاد السوري في مرحلته الجديدة
ثروة إيلون ماسك وميزانية سوريا
هل يمكن للنظام العالمي أن يتجاوز أزمته؟
اقتصاد التهجير: من النار إلى القانون.. كيف تحوّل السوري من مواطن إلى فائضٍ سكاني على خريطة الوطن
هذا ما فعلته أول سيدة أعمال سورية.. متيلد شلحت من مواليد حلب 1904
الأصفري يعرض عبر "نوفاتيرا" مشروع غاز ضخم.. استثمار لإنعاش القطاع أم بوابة لاحتكار جديد في سوريا؟
أموال “البوابة الذهبية”.. عقود بيع لا ودائع مجمدة (2-2)
رجال أعمال ينقلبون على العهد الجديد
سقوط أول قطعة دومينو في الاقتصاد النهبوي في روسيا