كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

في الليلة الظلماء يفتقد البدر...

وائل علي – فينكس:

لم نُفاجأ أو نستغرب تلك الاندفاعة الأروادية المستبسلة رغم ارتفاع منسوب مخاطر الإبحار واحتمالات ملاقاتهم ذات المصير في ذلك البحر الهائج المجنون, إلى جانب فرق الموانىء البحرية ومنظومتي الإسعاف والهلال الأحمر والدفاع المدني والضفادع البشرية والحوامات المروحية وكوادر مشفى الباسل الطبية والتمريضية والإدارية والشرطة والمجتمع المحلي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ضحايا مركب المهاجرين "غير الشرعيين" اللبناني المنكوب الذي ابتلتعه أمواج البحر في لحظة مأساوية غادرة غابرة بلا رحمة...
ولأنهم ربابنة البحر وأحفاد أسياده التاريخيين الذين جابوه طولاً وعرضاً منذ آلاف السنين, لم يتمالكوا أنفسهم قبل أن يكونوا أول المبحرين والمندفعين بحثاً عن الناجين والضحايا إلى جانب السلطات الرسمية التي قدمت كل الإمكانات واستنفرت طواقمها وكوادرها على مدار الساعة بلا كللٍ ولا ملل, وصولاً لتسليم جثث الضحايا لذويهم في لبنان وسورية وتقديم الاستشفاء للناجين... ولأنهم أبناء طرطوس الذين لا يعرفون حقداً ولا ضغينة, فقد أفلحوا ونجحوا مجتمعين بجهودهم "الخارقة" في إنقاذ عشرين غارقاً من الموت المحتم بعد مضي يومين على كارثة زورق "الموت", وانتشال قرابة التسعين ضحية من جوف البحر وشطآنه في ظروف مناخية لم تكن سهلة في زمن قياسي , رغم ما تعانيه البلاد من قِلِّ وضعفِ الإمكانات بسبب الحصار الفاجر الذي يمارسه العالم "المتحضر"بحق إنسانيتنا...
وقد خطفت أخبار الزورق الغارق الأضواء والتعاطف مع ذوي الضحايا عكستها بقوة صفحات التواصل الاجتماعي وأحاديث الناس المتداولة, وعاشت طرطوس وأروادها ومؤسساتها وناسها على وجه الخصوص, ومعهم كل السوريين لحظات عصيبة وهم يتابعون مذ تناهى لهم خبر "السّو" حزناً وألماً على أناس لا يعرفونهم, دفعوا أغلى ماعندهم ثمناً لحلم "ربما" بحياة أفضل صار كابوساً...!!
وما الذي يتوجب فعله في هكذا حالات, ولم يهدأ لهم حال ولا بال إلا بعد أن اطمأنوا على أنهم قاموا بما قاموا به على أكمل وجه دون أن ينتظروا لا جزاءً ولا شكوراً , ولا كلمة شكرٍ لا من قريبٍ ولا من بعيد, لا داخل البلاد ولا خارجها , لأنه ديدنهم وطبعهم...
وهذا ليس بغريب على "البدر" السوري الذي لا يغيب نوره حتى في الليلة الظلماء...