لو أن الفتى شجرة!
2026.06.06
حسن م يوسف
خلال اليومين الماضيين ذكرني عدة أصدقاء بهذه الزاوية التي نشرت في جريدة تشرين بتاريخ 8 نيسان 2008، وطلب أحدهم مني أن أعيد نشرها ولهذا أفعل:
=================================
عقل في الكف
لو أن الفتى شجرة!
كان أحد الأصدقاء يردد باستمرار على مسامعي بيت الشاعر المخضرم تميم ابن أبي:
مَا أَطْيَبَ العَيْشَ لَوْ أَنَّ الفَتَى حَجَرٌ تَنْبُو الحَوادِثُ عَنْهُ وَهْوَ مَلْمُومُ
وكنت أنا غالباً ما أرد عليه من باب النكد:
ما أبشع العَيْشَ لَوْ أَنَّ الفَتَى حَجَرٌ لا يرى الجميلات ولا تعتريه هموم!
أمس قبل أن يطفئني النوم فكرت بالإنسان في موقفه البهيمي الدامي. تذكرت قولاً لأمي: كل ما تزرعه يطعمك، ماعدا ابن آدم يقلعك!
فكرت كيف يتناول الإنسان الأشياء الطيبة فيحولها الى أشياء خبيثة.
فكرت بالشجرة، تلك المعجزة الصامتة التي تداوي الجراح التي ألحقها الإنسان بالعالم؛ هي تتغذى من التراب... تتغذى بالأشياء غير الطيبة فتحولها إلى أشياء طيبة. أية معجزة تجترحها الشجرة بصمت حينما تحول طعم التراب إلى أجاص، أو دراق، أو كرز! من أين تأتي الدالية المغروسة في التراب بحلاوة العنب الجارحة هذه، كيف تترجم شجرة التين طعم التراب المقبض المز الى ثمرة مهندسة بإحكام كما لو أنها كون صغير في قلبه بذار أكوان تحلم بأكوان!
من أين تأتي الشجرة بكل هذه الحكمة كي تمتص ثاني أوكسيد الكربون الذي ينفثه الإنسان في وجه الطبيعة، وتطرح الأكسجين الذي يحتاج الإنسان إليه كي يعيش!
فكرت بهذا العالم المريض بأغنيائه الذين يريدون نهب ما تبقى للفقراء، فكرت بهذا العالم المرهق بفقرائه الذين ضاقت بهم سبل العيش فراحوا يفكرون بسبل كريمة للموت.
ممزقاً بين الآكل والمأكول، أجد نفسي على تخوم النوم، مفتتاً كحفنة رمال تنسرب من بين أصابع الليل. حزيناً على القادمين الطيبين الذين يمدون أصابعهم لمصافحة الكماشة المفترسة. مثقلاً بخوفي على المستقبل أغمض عيني على بحرين من الملح.
أنزلق ببطء الى الجانب الآخر من المعركة، أهمس:
آه، ما أطيب العيش لو أن الفتى شجرة!
