النضال الصالح الوحيد
2024.05.08
*حسن م. يوسف
لمن لايعرفون الدكتور نضال الصالح اسمحوا لي أن أعرفكم به: إنه أستاذ في كلية الآداب، قسم اللغة العربية، جامعة حلب، وهو ليس مجرد أكاديمي بارز أضاء الكثير من العقول بعلمه الوافر، بل هو كاتب قصة موهوب وناقد متعمق قد يكون الأكثر حصافة وتمكناً من بين كل من يكتبون النقد الأدبي لا في سورية وحسب بل في الوطن العربي من مشرقه إلى مغربه، وهو قبل هذا كله وبعده، صديق صدوق فيه وفاء الأرض، إن أعطيته القليل أدهشك بغامر لطفه وكرم روحه وسمو نفسه وقد يعطيك حتى لو كنت لا تعطي شيئاً أو ناكراً للجميل.
تعلمون أن البلدان الأخرى تفتح أبوابها على اتساعها أمام الأكاديميين العاديين فما بالك بأكاديمي مثل الدكتور نضال الصالح؛ ساحر الحضور، متعدد البراعات متفوق في ثلاث مجالات. لكن الدكتور نضال الصالح لم يغادر السفينة السورية التي اختطفت من مسارها المألوف لتجبر على الإبحار عبر بحر الظلمات، بل قرر أن يبقى في (حبيبته) حلب.
وأعجب العجب، أن مامرَّ به من مرارات زاده حلاوة على حلاوته الفطرية، ونبلاً على نبله الأصيل. بحيث بت أسميه، بيني وبين نفسي؛ النضال الصالح الوحيد!
قبل حوالي أسبوع كتب الدكتور نضال الصالح قطعة نثرية على صفحته في الفيس بوك وصف فيها، ببساطة جارحة، انتظاره الطويل أمام الفرن لتأمين ربطة خبز للعيال، وعودته إلى البيت خالي اليدين بعد فشل مسعاه، وأمام الواقع الذي لامجال للهروب منه، كان على الدكتور نضال أن يخرج من البيت مجدداً بروحية محارب عزم ألا يعود دون بغيته، وقبل وصوله إلى الفرن ببضعة أمتار توقفت بجواره سيارة شحن عسكرية مليئة بالخبر وبحكم مكانه الأقرب من الشاحنة فقد كان أول من يأخذ ربطة خبز. ولما سأل الجندي الواقف في الشاحنة عن ثمن الربطة قال له: هذه هدية من أهلكم في اللاذقية.
أعترف لكم أنني قد تعمدت تلخيص الحكاية بهذا الشكل الركيك، كما تجاهلت تعليق نضال، كي أخفف من حدة التأثير العاطفي البالغ لكلماته، لكن بحري قفز من عيني وأنا أعيد كتابتها، كما فعل وأنا أقرأ كلمات نضال.
أزعم أنني منذ طفولتي كنت وما أزال أفكر بغيري، فقد كنت أقيم للطيور وليمة من الخبز المبلل وأنسى جوعي وأنا أراقبها، ولهذا انتابتني حالة من السحر عندما قرأت قصيدة الرائع محمود درويش التي يقول فيها: "وأنتَ تُعِدُّ فطورك، فكِّر بغيركَ / لا تَنْسَ قوتَ الحمامْ / وأنتَ تخوضُ حروبكَ، فكِّر بغيركَ/ لا تنس مَنْ يطلبون السلامْ/ وأنتَ تسدِّد فاتورةَ الماء، فكِّر بغيركَ/ مَنْ يرضَعُون الغمامْ / وأنتَ تعودُ إلى البيت، بيتكَ، فكِّر بغيركَ / لا تنس شعب الخيامْ / وأنت تفكر بالآخرين البعيدين، فكِّر بنفسك / قُلْ: ليتني شمعةُ في الظلامْ".
أعترف أنني في كل يوم أتلقى أكثر من اتصال أليم من أصدقاء يعانون في مختلف أنحاء الأرض السورية وقد رضَّني اتصال الصديقين الحلبيين فاضل كواكبي وغسان الذهبي قبل أيام وحبسني خارج النوم، على حد قول الرحابنة. إلا أن كلمات الصديق النضال الصالح الوحيد، تزداد حضوراً في حياتي يوماً عن يوم! فكلما رأيت الخبز أشعر بقبضة معدنية باردة تصعد من أعماقي لتطبق على حنجرتي حتى لتكاد تطفر من عيني، كما ينتابني شعور فظيع بالعجز كما لو أنني حجر يحلم بأن يطير!
آه يا أخي نضال، ها أنذا في ضوئك أكتشف أن العجز عجزان، عجز المحتاج الذي تردت ظروفه، أو أضعفته الحدثان بحيث بات عاجزاً عن الخروج من مأزقه بمفرده مما يرغمه على طلب العون من الآخر، وعجز الآخر الذي تتوفر لديه الامكانية والرغبة في تقديم العون، إلا أنه يجد نفسه مشلولاً بسبب مكر الظروف وتباعد الزمان والمكان، وصدقني أن العجز الثاني لايقل إيلاماً ومرارة عن الأول.
الوطن
==================
هذا مقال كنت قد كتبته قبل اثني عشر عاماً عن فقيدنا الكبير الدكتور نضال الصالح لروحه السلام وعطر الياسمين.
والصورة المرفقة تضمنا معاً في طرطوس عندما قمنا بالاشتراك مع الدكتور بديع صقور بتحكيم مسابقة القصة في المهرجان الثقافي المركزي لطلبة سورية.
