813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عن الشعر شخصياً (حسن م يوسف عن محمد الماغوط)

محمد الماغوط (12 كانون الأول 1934- 3 نيسان 2006)
ستة عشر عاماً مضت على تواري الماغوط في قلوب محبيه وهو مع كل مشرق شمس يزداد تألقاً وحضوراً.
لهذه المناسبة أعيد نشر مقال كتبته عنه قبل سنوات ونشر في جريدة السفير اللبنانية.
===========
عن الشعر شخصياً
*حسن م. يوسف
أومن أن التكرار موت، ومن العبث أن أكرر ما تعرفونه عن الماغوط الذي هو برأيي أحد أكثر شعراء العربية حياة.
في سبعينيات القرن الماضي دهش الأدباء والنقاد عندما منح سعيد عقل الجائزة التي تحمل اسمه لمحمد الماغوط، وعندما سئل عقل كيف يمنح جائزته لشاعر يكتب قصيدة النثر التي يرفضها ولا يعتبرها شعراً، قال: "الماغوط هو الشعر شخصياً." ولأن الشعر الحقيقي يتعدد بتعدد قرائه، سأحاول أن أحدثكم عن ماغوطي أنا.
أعترف لكم أنني منذ أن قرأت قصيدته التي يقول في آخرها: “أنا سأرفع رسالة إلى الله، ممهورة بعذاب البشر، لكن كل ما أخشاه أن يكون الله أميا. “ومنذ ذلك الحين، أنظر الى الماغوط كما لو أنه حزمة ديناميت من الممكن أن تنفجر في أية لحظة.
أحسب أن الماغوط هو أفضل من جسد بإبداعه رحلة الريفي البسيط الى المدينة. كانت حياته سلسلة لانهاية لها من المعارك مع ألوان العالم وقيمه وثقافاته، صحيح أنه كان يطمح لأن يتطور ويتغير من خلال تمثل أفضل ما في بستان الثقافة العالمية من ثمار الابداع، وأن يكتسب المعارف الحديثة وينغمس في العصر، حتى لو اضطر لأن يشرب دموعه، لكنه كان يقاوم بكل قواه محاولات الحداثة المغوية لأن تغير هويته كإنسان.
لم يكن الماغوط يتواضع عندما قال: "لا مشروع ثقافي لدي. لا نظرية شعرية. لا حلم أريد تحقيقه. أنا لست مثقفاً. شهادتي متوسطة زراعية"، فجوهر ما فعله الماغوط برأيي، هو أنه صهر اللغة في مرجل موهبته وحرر الكلمات من ظلال الآخرين وغبارهم ثم سكب فيها روحه الفريدة وأعطاناً إياها إبداعاً لا يشبه أحداً سواه فجاء شعره ماغوطياً، ومسرحه ماغوطياً وروايته ماغوطية ، ومقالته الأدبية ماغوطية ، وزاويته الصحفية ماغوطية أيضاً.
لن أحدثكم عن حياة الماغوط الذي ولد في السلمية عام 1934 وغادر دنيانا ذات اثنين من نيسان عام 2006. كما لن أتعرض لرحلة الماغوط الإبداعية بدءاً بأول مجموعة شعرية له "حزن في ضوء القمر" وانتهاء بآخر كتاب له "شرق عدن-غرب الله"، بل سأكتفي بعرض ثلاث لحظات فريدة جمعتني بالماغوط.
1
في أواخر تسعينات القرن الماضي اتصل بي أحد الأصدقاء من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وأبلغني أن الجبهة قررت تكريم الماغوط وأن الحكيم جورج حبش شخصياً سيحضر الحفل، وأنه قد وقع الخيار عليَّ لتقديم مداخلة بهذه المناسبة. لست أنكر أنني شعرت بمزيج من الزهو والارتباك فأنا أحب الرجلين وأقدرهما وأعتبر كل منهما نسيجاً أصيلاً في مجاله. كانت القاعة صغيرة والجمهور كبير وحر تموز يضغط على الصدور، والمسافة بين المنصة والجمهور لا تزيد عن بضعة أشبار، وقد شاءت الصدفة أن يأتي مكاني خلف الطاولة مقابل الماغوط الجالس الى جانب الحكيم جورج حبش في الصف الأول.
كنت مرتبكاً كما لو أنني أقدم فحصاً شفهياً أمام جمهور مختلط وأنا حافي القدمين عاري الصدر! في بداية مداخلتي تعكزت على ما قاله الروائي الإنجليزي الكبير سومرست موم في لقاء نشر معه على صفحات مجلة "ساتردي ريفيو" قبل تسع سنوات من رحيله، عام 1966، فعندما سئل عن رأيه بالشعر قال: "الشعر هو تاج الأدب، إنه نهايته ومبتغاه، إنه أسمى فعالية يمارسها العقل البشري. إنه إنجاز الجمال والرقة …إن كاتب النثر ليتنحى جانباً عندما يمر الشعراء".
بعدها صارحت الجمهور بأن رغبتي في التنحي كي يمر الشاعر محمد الماغوط لا يعادلها شيء على الإطلاق! فليس من محنة يعانيها كاتب النثر أكثر من أن يتكلم عن الشعر في حضرة شاعر كالماغوط! غير أن رغبتي في التنحي يومها اصطدمت برغبة أخرى أقوى منها؛ هي أن أتغلب على ارتباكي وأن أشكر الشاعر بلغة الناس اليومية المتعبة، على ما سبق وقاله هو بلغة الشعر المضيء!
نظرت في عيني الماغوط كما لو أنني أستنجد به، كان وجهه حيادياً لكنني لمحت في عينيه ظل ابتسامة مشجعة. قلت له:
أيها الشاعر، أنت تعلم في قرارة حكمتك أن الحب ليس أعمى، بل أن فقدان الحب هو الأعمى! صحيح أنك لا تبدي اهتماماً بالجحيم البعيد، لكنك تعلم أن الجحيم القريب هو أن نتوقف عن الحب، لذا تشعل قلبك، حتى مداه الأقصى، في الكلمات، وتطلقها طيور نارٍ فينا كي تنيرنا وتبعث الدفء في قلوبنا.
فوق هذا، تريد أن تبهجنا وتضحكنا أيضاً باعتبار أننا زملاءك في مدرسة اللقمة المفترسة! تلعب دور المشاغب الجريء بامتياز! تشد شعر الحياة أمامنا، وتمد لها لسانك! فنضحك لجرأتك ونطرب لعباراتك الساخرة غير عالمين أنك تفعل ذلك كي تمنع نفسك من البكاء!
هنا ارتسمت على وجه الماغوط ابتسامة تكاد لا تلحظ فبدأ إحساسي بازدحام القاعة يخف تدريجياً حتى لم يبق أحد فيها سوى هو وأنا:
تابعت الكلام:” نضحك من أعماقنا جاهلين أنك تستخدم كيمياء الشعر لتحول أوجاعك الممضة إلى ابتسامات وفراشات تحط في قلوبنا كخطوط دفاع في وجه تصحر العالم وامتلاء العالمين بالرماد! تمزح على طريقة برنارد شو، فتقول الحقيقة! ونضحك نحن كما لو أن الحقيقة هي أعظم مزحة في العالم! "
بعد انتهاء التكريم وقف الماغوط قبالتي ووضع يده على كتفي في نصف عناق وكرمني بابتسامة سأحملها معي حتى آخر أيامي.
2
لم يكن المبدع محمد الماغوط، يحب الأمسيات الشعرية ولا اللقاءات الصحفية، لذا نسبت إليه مقابلات أكثر من تلك التي أجراها بكثير، كما اعتذر عن أمسيات أضعاف تلك التي حضرها بآلاف المرات.
في آخر أمسية رأيت الماغوط فيها، وقف الشاعر الفريد نزيه أبو عفش وأعلن أنه قرر باسم أصدقاء محمد الماغوط ومحبيه أن يمنحه “جائزة الحب “ وهي عبارة عن قرنفلتين خجولتين، لهما بياض قلب الهادي والمهدى إليه!
بحركة عفوية تماماً تناول الماغوط القرنفلتين، لم يضعهما على الطاولة. لم يشكل واحدة منهما في عروة قميصه، ولم يلوح بهما! بل وضعهما ببساطة في كأس الماء الذي سكب له كي يشرب منه أثناء إلقاء قصائده!
صحيح أن الماغوط قد قام بهذه الحركة البسيطة عفو الخاطر، لكنها برأيي المتواضع، تجسد موقفه الجوهري من الشعر والحياة. فأسمى أهداف الشعر، هو تأخير موت الوردة فينا، ومن حولنا، والشاعر الحقيقي هو الذي يؤثر الوردة على نفسه بالماء!
قبل بضع سنوات شاركت في ندوة تلفزيونية عن الماغوط لصالح إحدى المحطات الفضائية العربية، وقد قلت يومها…" لو شئنا أن نشبه الماغوط بعضو ما من جسم الإنسان سنجد أنه يشبه القلب العاري. بعض الناس ، يشبهون الفم الذي يقضم ويبتلع، بعضهم يشبهون اليد التي تقبض وتنفق وتضرب وتصفع وتداعب، بعضهم يشبهون أعضاء أخرى ، أما محمد الماغوط فهو قلب عارٍ بلا أضلاع تحميه، يتناسخ في قلوب الآخرين من خلال الكلمة!"
3
في أواخر ثمانينات القرن الماضي فاز فيلم "التقرير" الذي كتب له الماغوط السيناريو والحوار بجائزة أفضل سيناريو في مهرجان فالنسيا لسينما حوض البحر الأبيض المتوسط، ونظراً لأن منتج الفيلم نادر أتاسي كان قد غادر المدينة قبل نهاية المهرجان فقد ارتأت الإدارة أن أقوم أنا باستلام الجائزة نيابة عن مستحقها، وقد تمت دعوة ملكة جمال إسبانيا لتقديم الجوائز في تلك الدورة.
كانت ملكة جمال إسبانيا تشع شباباً وسحراً في فستان من المخمل الناري يكشف ظهرها ولا يغطي إلا ما يلزمها القانون بتغطيته، أعطتني الجائزة بيد وصافحتني بالأخرى وأثناء المصافحة قالت لي شيئاً بالإسبانية لم افهمه، وراحت تشد على يدي، ونظراً لأنني لا أفهم الإسبانية فقد هززت لها رأسي مغمغماً ظناً مني أنها تهنئني بالفوز. إلا أنني أحسست أنه في الأمر شيء آخر لأنها ظلت ممسكة بيدي أكثر مما ينبغي.
بعد انتهاء الحفل التقيت بملكة جمال إسبانيا في البوفيه ونظراً لوجود مترجم برفقتي في تلك اللحظة فقد سألتها من خلالها عما قالته لي على المسرح؟ فاحمر وجه المترجم السوري وأبلغني أنها طلبت مني على المسرح أن أقبلها. فما كان مني إلا أن ضحكت وتقدمت منها مسلماً ومعوضاً عما فوته علي جهلي بالإسبانية!
كانت الجائزة عبارة عن تمثال لنخلة اصطلاحية مسبوكة من معدن الكروم تبرز منها ثلاث سعف مستدقة الرؤوس كما لو أنها حراب! كان لابد أن أضع الجائزة في حقيبتي لأنني لو حملتها معي الى صالة الركاب في الطائرة، لظنوا أنها سلاح أريد أن أخطف به الطائرة! وعندما وصلت الى دمشق اكتشفت أن إحدى السعف – الحراب قد خرقت بنطلوناً عزيزاً بسبب ضغط الحمولة! يومها أخذت النخلة –الجائزة معي الى الجريدة خشية أن تتسبب حرابها المنتشرة بكارثة إذا ما وقعت بين أيدي أطفالي. اتصلت ببيت الماغوط فلم يرد علي أحد، اتصلت بالفنان دريد لحام مخرج الفيلم وبعد أقل من ساعة كنت قد تخلصت من تلك الأمانة الثقيلة!
في أول لقاء لنا قلت للماغوط: "جائزتك فريدة وحادة مثلك فقد خرقت إحدى حرابها بنطلوناً عزيزاً على نفسي" فأجابني بجدية :"مر على البيت وخذ بنطلوناً بدلاً منه"!
يومها حكيت للماغوط ما جرى معي أثناء قيامي باستلام جائزته في مهرجان فالنسيا مع ملكة جمال إسبانيا. فخبط بيده على كتفي وقال متهكماً:

"هذه هي كتابتي! ابنة ستين كلباً! تعطي أزهارها للآخرين وتخصُّني أنا بأشواكها!"