الجامعة ماذا تطرح؟
حسن م. يوسف– خاص فينكس
"التعليم هو أقوى سلاح يمكنك استخدامه لتغيير العالم".
يكاد لا يمر يوم لا أتذكر فيه هذه المقولة الخالدة التي أطلقها المناضل الإنسان نيلسون مانديلا (1918-2013) الذي تمكن بقوة فكره ورسوخ إيمانه من هدم نظام التمييز العنصري وهو في السجن. والحق أن سيرة مانديلا تثبت أن العين المؤمنة بحقها لا تستطيع فقط أن تقاوم المخرز، بل تستطيع أيضاً أن تحوِّله إلى مفتاح لبوابة السجن، فقد خرج مانديلا من أطول فترة سجن سياسي في القرن العشرين، ليصبح أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا في أول انتخابات حرة تشارك فيها كل مكونات البلاد.
ولأنني أومن بقوة التعليم، تلقيت باهتمام، الدعوة التي وجهتها لي الدكتورة أمل دكاك، للمشاركة في الندوة السنوية الرابعة للتراث الشعبي، التي تقيمها كلية الآداب في جامعة دمشق، تحت عنوان "الإعلام والتراث وتحديات العولمة" يومي الأربعاء والخميس 22 و23 كانون أول 2021. وعندما اقترحت الدكتورة أمل أن تكون مداخلتي عن الدراما، أبلغتها أن عنوان المداخلة سيكون: "مسؤولية الدراما التلفزيونية في صنع الوعي الشعبي". ونظراً لأنني اكتشفت منذ زمن أن من يأتون في اليوم الأول من أية فعالية ثقافية، غالباً ما يكونون جمهوراً خلبياً، فبعضهم يأتون كي يصورهم التلفزيون، وبعض آخر يأتون كي يتصوروا مع من يصورهم التلفزيون، لذا اقترحت أن تكون مداخلتي في اليوم الثاني.
أعترف لكم أنني صدمت حقاً عندما دخلت إلى المدرج الفسيح، لأن عدد الحضور الإجمالي هو أقل من خمسة وعشرين شخصاً، جلهم تجاوزوا الستين من العمر، وإذا طرحنا منهم المحاضرين البالغ عددهم اثني عشر محاضراً، والمكلفين بالحضور لأسباب مختلفة، سنجد أن عدد الحضور الحقيقي أقل من أصابع اليد الواحدة، مع ذلك راح المحاضرون يتبارون في إطالة مدة أحاديثهم، مما أدى لتأخر موعد مداخلتي لساعة ونيف! وعندما حان موعدي في الكلام، طلبت من طلاب الجامعة أن يتكرموا برفع أيديهم، فتبين أن عددهم أربعة أشخاص، وكان من بينهم اثنان يرتديان طقمين متشابهين مما يوحي أنهما من اتحاد الطلبة.
لا أريد المتابعة في سرد وقائع تلك الندوة المحزنة، والحق أنني ترددت في الكتابة عنها طوال الأسابيع الثلاثة الماضية. ما أريد قوله للجهات المعنية هو أن هذا النمط من الفعاليات الكلامية قد مات، لا في سورية وحدها بل في كل أنحاء العالم. وإذا كنتم معنيين بالشباب فما عليكم إلا أن تقدموا لهم ما يثير اهتمامهم.
لقد تغيرت الجامعة وتغيرت نظرة المجتمع إليها، ففي سبعينات القرن الماضي كان من النادر أن ترى شخصاً غير جامعي يسير على رصيف الجامعة أما الآن فقد انتشرت الأكشاك في كل مكان وحاصرت أسوار الجامعة، حتى صار الشارع يبدو كما لو أنه سوق شعبي يرتاده كل من هب ودب. والمقلق أكثر مما سبق هو أن مفهوم السوق قفز إلى داخل الجامعة، لأن التعليم أصبح ربحياً، الغاية منه هي جني المال، وقد أبلغني أحد الأعضاء في حزب البعث العربي الاشتراكي أن الحزب قد أسس جامعة خاصة تابعة له هي (جامعة الشام) مع أن المادة 46 من دستور الحزب تنص على كون: "التعليم وظيفة من وظائف الدولة وحدها، لذا تلغى كل المؤسسات التعليمية والأهلية". وكذلك المادة 47 التي جاء فيها أن "التعليم بكل مراحله مجاني للمواطنين جميعاً وإلزامي في مراحله الابتدائية والثانوية". وقد أبلغني عدد من طلبة الجامعات الخاصة أن رسوم التعليم الخاص ترتفع في كل عام كما ترتفع أسعار اللحمة والزيت والسكر! ويبدو أن طلاب الثراء في بلادنا قد فهموا مؤخراً مقولة بنيامين فرانكلين (1706 - 1790) أحد الآباء المؤسسين لأمريكا: "الاستثمار في المعرفة يكسب أقصى نسبة من الفائدة ".
تعلمون أنه خلال مرحلة انهيار دول المنظومة الاشتراكية قام العديد من طلاب الشهرة عندنا بشراء شهادات طنانة من هناك، وقد تسرب بعضهم إلى المؤسسات التعليمية، وهذا يضعنا أمام السؤال الوجودي الكبير الذي طرحه روبرت موغابي رئيس زيمبابوي الذي توفي في 6 أيلول 2019 عن عمر ناهز 95 عاماً:
"كيف لنا أن نقنع هذا الجيل أن الدراسة هي مفتاح النجاح والمستقبل الزاهر، في حين أننا محاطون بأصحاب الشهادات وخريجي الجامعات الذين يعيشون في فقر مدقع، بينما المجرمون يعيشون في ثراء؟"
