813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أيها المسؤولون جاء دوركم

حسن م. يوسف- خاص فينكس

ثمة حقائق مركزية لابد لنا من الوقوف عندها، قبل الشروع في مناقشة الإجراءات الاقتصادية القاسية التي تم تنفيذ بعضها خلال الفترة الماضية، ويجري التمهيد لما هو أدهى منها وأمر.

الحقيقة المركزية الأولى هي أن الحرب التي تشنها الفاشية العالمية على الدولة السورية قد أرهقت خزينة الدولة وكبدتها خسائر هائلة فلجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)  قدّرت خسائر الاقتصاد السوري خلال السنوات الثماني الأولى من الحرب بما يزيد عن 442 مليار دولار.

الحقيقة المركزية الثانية هي أن الدولة لا تستطيع أن تقدم لشعبها سوى ما يقدمه شعبها لها، لذا عندما تنكمش موارد الدولة فمن الطبيعي أن يزداد ضغط الدولة علي جيوب مواطنيها وعلى نفقات مؤسساتها أيضاً.

تولدت فكرة دعم السلع الأساسية التي لجأت إليها حكوماتنا المتعاقبة منذ عشرات السنين من قناعة تلك الحكومات بأن ما يتقاضاه المواطن السوري من رواتب وأجور لا يوفر له الحد الأدنى من المعيشة، غير أن حكوماتنا، بدلاً من أن ترفع رواتب وأجور المواطنين من خلال ما تدره ثروات البلاد الطبيعية، ارتأت أن تدعم السلع الأساسية وعلى رأسها، الطبابة والتعليم والخبز والكهرباء...الخ. غير أن عملية رفع الدعم بدأت بشكل تدريجي مع انطلاق سيء الذكر «اقتصاد السوق الاجتماعي» عام 2005، مما أحدث بداية الخلل بين الأجور والحد الأدنى للمعيشة. ونتيجة للحرب التي تشنها الفاشية العالمية علينا منذ عشر سنوات، وقيام المحتلين الأمريكان وعملائهم بإحراق حقول القمح السوري وتهريب ما يحصد منه، وسرقة حقول النفط، فقد وصل التضخم الى مستويات مريعة تقارب سبعة آلاف بالمئة!

 صحيح أن جيشنا البطل صمد عسكرياً في وجه الغزاة واستعاد معظم الأراضي التي احتلها الإرهاب، كما نجحت الدولة السورية في الحفاظ على نفسها وعلى استمرارية دورها، لكن محدودية الموارد وتلاعب الفاسدين وجشع التجار وضعت الدولة أمام خيارات قد تكون أكثر خطورة من أقسى المعارك التي خاضها جيشنا.  

جميع المسؤولين ينفون طبعاً فكرة إلغاء الدعم نفياً قاطعاً، لكنهم يحاولون تمرير مشروعه من خلال رفع شعار: التفريق في حق الدعم بين (المقتدر وغير المقتدر) على حد قول السيد وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك.  

إن نظرة هادئة لما يجري، تشجعنا على الاستنتاج بأن الدعم يتم قضمه تدريجياً بأساليب وطرق مختلفة"   فهناك مخصصات خمسة أشهر من السنة الحالية لم تسلم لمستحقيها حتى الآن، كما أن بعض صالات السورية للتجارة قامت بتوزيع كميات من الرز المصاب بالتسوس على المواطنين...الخ. أما مؤسسة محروقات فقد أثبتت أنها تملك الحد الأقصى من الجرأة الاستثنائية، إذ خصصت لكل أسرة خمسين ليتراً من المازوت للنصف الأول من شتاء هذا العام، وأحيت في بعض المناطق فولكلور الطبخ على الجلِّة! 

 وبما أن الحياة الاقتصادية أشبه بالأواني المستطرقة، أي ارتفاع في أحد سلعها ينعكس فورياً على بقية السلع والخدمات، لذا نفهم رفع سعر ليتر المازوت الصناعي والتجاري الى 1700 ليرة سورية، على أنه إذن رسمي للمنتجين بزيادة أسعار سلعهم، وهذا ينطبق على رفع سعر الإسمنت خلال العام الماضي أكثر من مئتين بالمئة، وعدم دعم الأسمدة...الخ

أما رفع سعر أسطوانة الغاز من أربعة آلاف ليرة سورية إلى عشرة آلاف ومضاعفة أسعار التيار الكهربائي الذي لا يسعدنا بأنواره إلا حوالي أربع ساعات في اليوم فهو مستوى جديد من علاقة الحكومة بنا!

المهم هو أن الزميل زياد غصن بشرني بمقال نشره مؤخراً بأن سيارتي العجوز سيتم استبعادها من الدعم الحكومي، لأنها مصنوعة بعد عام 2008 وسعة محركها أكبر من الحد المدعوم بشحطة! والحق أن هذا الإجراء إذا نُفذ، قد يعيد فرزي الى سلاح المشاة الذي خدمت فيه أصلاً عندما أديت خدمة العلم. ومن المرجح أن يؤدي هذا لتوقفي عن التعليم في المعهد العالي للفنون السينمائية ودبلوم علوم السينما وفنونها، وأن ألزم قريتي، الى أن يأخذ الله أمانته!

في الختام أود أن أقول كلمة للمسؤولين في حكومة دولتنا العلية: لقد جاء دوركم كي تضحوا بشيء من امتيازاتكم وعدد من سياراتكم، فليس من الحكمة الرهان أكثر على قدرة التحمل لدى الناس، إذ من غير الجائز أن تحل كل مشاكل البلد على حساب المواطن المنتوف الذي ضحى وصمد.