لا للفراغ الباهت
حسن م. يوسف- خاص فينكس
إذا استثنينا بيتي ومكتبي في الجريدة أستطيع القول بثقة أنني لم أمض وقتاً في أية بقعة من مدينة دمشق، خلال العقدين الماضيين، أطول من الوقت الذي أمضيته داخل أسوار دار الأسد للثقافة والفنون التي تقع في الزاوية الجنوبية الشرقية من ساحة الأمويين بالقرب من نصب السيف الدمشقي. فمنذ أن افتتحت تلك الدار في السابع من أيار عام 2004، تحولت الى شبه بيت لي، فقد دخلت اليها أستاذاً في المعهد العالي للفنون المسرحية الملحق ببنائها، ودخلت إليها أباً يقوم بتوصيل ابنته وقانونها إلى المعهد العالي للموسيقا الملحق ببنائها أيضاً. ودخلت إليها صحفياً يقوم بتغطية مختلف النشاطات الثقافية والفنية في قاعاتها ومسارحها، ودخلت إليها مكرماً في مهرجان دمشق السينمائي الدولي السادس عشر، ورئيساً للجنة تحكيم مسابقة الأفلام العربية في مهرجان دمشق السينمائي الدولي السابع عشر، ودخلت إليها مكرماً في مهرجان الإعلام السوري الأول، ومكرماً في مهرجان القصة القصيرة جداً، ودخلت إليها صديقاً مشتاقاً لأحبائه العاملين في المعاهد الكائنة داخل أسوارها، ودخلت إليها عندما منحتني وزارة الثقافة جائزة الدولة التقديرية في مجال الآداب، كما دخلت إلى مسارحها الثلاثة مئات المرات كمتابع لحفلات الفرقة السمفونية السورية، ولمختلف الفرق المسرحية والموسيقية والغنائية المحلية والعربية والدولية، وقد كنت فيها زائراً قبل يومين، وسأدخل إليها بعد أيام أستاذاً في المعهد العالي للفنون السينمائية.
لهذا أستطيع القول إن دار الأسد للثقافة والفنون التي تستلهم روح دمشق، أقدم عاصمة مأهولة باستمرار في تاريخ البشرية، لها حميمية البيت بالنسبة لي، وأنا أغار عليها من أي خلل، فعندما تخلخلت عتبة إحدى دورات المياه، قبل سنوات، وتعددت المصابيح التي لا تشتعل، كتبت مقالاً أشدت فيه بالدار وبدورها المضيء في حياتنا، وطالبت الإدارة بعدم السماح لسوس الإهمال أن ينخر اللوحة الجميلة، وناشدت المعنيين بمتابعة الأعطال في الدار أولاً بأول كي تحافظ أوبرا دمشق على رونقها كواحد من أهم صروح الثقافة في سورية والمنطقة.
والحق أن أوبرا دمشق لم تكتف بإهدائنا مئات الأمسيات الفنية الجميلة وحسب، بل أصدرت سلسلة قيِّمة من الأقراص المضغوطة تتضمن تسجيلات نادرة لأهم الموسيقيين السوريين والعرب القدماء والمعاصرين، تشكل نواة مكتبة موسيقية ممتازة لهواة الفن الأصيل.
مع انتشار وباء كورونا وتطبيق سياسة التباعد الاجتماعي، تأثرت فعاليات الدار وانكمش عدد الجمهور، غير أن إدارة الدار اتخذت خطوة شجاعة لمعالجة هذا الوضع، فإذا كان الجمهور لا يستطيع الذهاب إلى الحفلات الموسيقية، يجدر بنا أن ننقل الحفلات للجمهور، من خلال بثها حية عبر الإنترنت. وأنا إذ أحيي هذه البادرة الجيدة والإيجابية أود أن أتقدم بملاحظات بسيطة من شأنها، فيما لو نفذت، أن تضفي على العملية مسحة من الاحتراف.
أقترح إنشاء أرشيف مرئي ومسموع لكل حفلات أوبرا دمشق بعد توضيب المواد وإخراجها بشكل احترافي بحيث يكتب على الزاوية السفلية للشاشة اسم المقطوعة واسم المؤلف والعازف، كذلك يجب ذكر اسم المقطوعة واسم المؤلف والعازف في التغطيات الحية.
مساء يوم الإثنين الماضي تابعت عبر الإنترنت، البث الحي لحفلة عازفة الهارب الموهوبة رهف شيخاني، في مسرح الدراما، وقد استمتعت حقاً بكل المقطوعات التي عزفتها بمفردها على آلة الهارب الحساسة والصعبة، كما أثارت اهتمامي المقطوعات المشتركة التي أدتها مع عازف العود البارع كنان ادناوي، ومع عازفة الكمان أروى شيخاني، وعازفة الكلارينيت سيما الشهابي.
لكن الوقت الطويل نسبياً بين الفقرات كان يمر ثقيلاً ومملاً لأن الكاميرا تبقى مسلطة على خشبة المسرح الفارغة بينما نسمع نحنحات الجمهور، لذا أقترح أن تستغل الدقائق بين الفقرات لتقديم معلومات عن المقطوعات المقدمة ومؤلفيها وعازفيها، وبهذا نسد فراغ الشاشة الباهت الذي قد يغري المشاهد الملول بالكف عن المتابعة!
