العدالة المناخية أم الانقراض السادس؟
حسن م. يوسف - خاص فينكس
افتتحت يوم الجمعة ما قبل الماضي الدورة السادسة والعشرون من مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ في مدينة غلاسكو الإسكتلندية، التي تستمر لمدة أسبوعين، وتشارك فيها وفود من 200 دولة. ولمناسبة "يوم الشباب" نظمت حركة "أيام جمعة من أجل المستقبل" مظاهرةً حاشدة يوم الجمعة الماضي، جابت شوارع المدينة، وشارك فيها آلاف الناس من جميع الأعمار، للمطالبة بالعمل المناخي. وقد هتف المتظاهرون:
"ماذا تريدون؟" / "نريد العدالة المناخية."/ "متى تريدونها؟ / "نريدها الآن".
وقد حملت إحدى المتظاهرات لافتة كتب عليها: "بطاقة حمراء للإنسانية"، وهي عبارة كان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قد استخدمها كتحذير من كارثة مناخية تلوح في الأفق، عقب نشر تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، في وقت سابق من هذا العام.
وقد شارك في المظاهرة زعماء من سكان أمريكا اللاتينية الأصليين، ناشدو زعماء العالم بتخفيف انبعاثات الكربون. وقد ارتدى عدد من النشطاء أقنعة تمثل رؤساء الدول المسببة لتلوث المناخ، وقد تم تقييدهم، وعلقت على صدورهم لافتات كتب عليها "مجرمو المناخ".
وكان الأمين العام للأمم المتحدة قد وجه رسالة قوية إلى العالم، قائلا: "إننا نحفر قبورنا بأيدينا"... "فنحن نواجه كارثة مناخية لا مهرب منها." و"إذا فشلنا في مواجهة التغير المناخي، فسيشكل ذلك حكماً بالموت على سكان الأرض". وحث دول العالم على وقف "التعامل مع الطبيعة وكأنها مرحاض".
الشيء المؤسف حقاً هو أن القائمين على رأس الدول العظمى لا يريدون أن يسمعوا صوت العقل وهم يُغرقون مواطني الدول النامية بسيول متتالية من المصائب تجعلهم مقيدين بهمومهم المتجددة وحاجاتهم اليومية.
قبل حوالي ربع قرن كتبت في إحدى المجلات مقالةً عن التقرير الخطير المقدم من قبل (مركز هادلي للتغيرات المناخية)، لقمة كركاس للمناخ. فقد أُدخلَت معطيات كوكبنا إلى كمبيوتر مركز هادلي الذي كان أضخم كمبيوتر في العالم آنذاك، وطلب منه أن يقرأ مستقبل الحياة على الأرض في عام 2050. وبناء على تلك المعطيات تنبأ الكمبيوتر بعدد من الأخطار المستقبلية، التي تهدد كرتنا الأرضية: سترتفع حرارة الأرض بمقدار ست درجات مئوية، مما سيؤدي لذوبان قسم من جليد المناطق القطبية، وارتفاع مستوى البحار، بمقدار 21 سنتيمتراً. وسيعاني مائة وسبعون مليون نسمة من نقص حاد في المياه! وسيتفشى وباء الملاريا، الذي هو الأخطر بين الأوبئة في تاريخ البشرية، ويهدد مناطق شاسعة من الكرة الأرضية، بما فيها القارة الأوروبية التي ستصبح دافئة بما يكفي لعيش حاملات الوباء! وسيجتاح الجفاف القارة الأفريقية، وسيكون لنتائج التغيرات المناخية تأثيرات استثنائية سلبية على زراعة القمح والذرة في الحقول الأمريكية، مما يجعل أمريكا أكثر الدول تضرراً من التحولات المناخية!
والأخطر من ذلك كله أن التحليلات العلمية التي أجراها كومبيوتر مركز هادلي للتغيرات المناخية، تجزم بصورة قطعية، أن فرص البشرية، تتناقص بسرعة استثنائية، إذ سيكون من المستحيل وقف ذلك الخطر العارم، إذا لم يعالج قبل العام 2050.
وكان اتحاد العلماء العالمي الذي أسسه الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل، قد وجّه "إنذاراً إلى البشرية" في مطلع ثمانينات القرن الماضي، كنت قد ترجمته ونشرته في جريدة "تشرين"، نبَّهَ فيه إلى كافة الأخطار التي تعاني منها البشرية، في المرحلة الحالية، من التصحر، إلى التلوث الإشعاعي، مروراً بظاهرة الانحباس الحراري!
وفي عام 1992 أصدر علماء البيئة: "تحذيراً للبشرية" وقع عليه أكثر من ألف وخمسمائة من كبار العلماء، من بينهم أكثر من نصف الفائزين بجائزة نوبل من العلماء الأحياء. وقد جاء في ذلك التحذير أن "الجنس البشري والعالم الطبيعي في طريقهما إلى الصدام".
جوهر القضية، أن ما يسمى بالدول العظمى، تفتقر للشعور بالمسؤولية. فالولايات المتحدة وتعدادها لا يتجاوز 4,5 % من سكان العالم، تستهلك وحدها 25% من موارد كوكب الأرض، وتنفث 20% من ثاني أوكسيد الكربون".
فهل تستيقظ البشرية من غفلتها؟ أم أننا نشهد (الانقراض السادس) الذي حذرت منه الباحثة إليزابيث كولبرت؟
