813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عن نوبل وموت الكتاب

حسن م. يوسف- فينكس

أصارحكم أن الحزن لم يبارحني منذ أن علمت بأن مكتبة نوبل الكائنة مقابل فندق الشام في العاصمة دمشق، قد أغلقت بصورة نهائية. فمكتبة نوبل ليست مجرد مخزن لبيع الكتب، بل كانت، رغم صغر مساحتها، فضاء ثقافياً رحباً، تحاورت فيه مع عشرات المثقفين والأدباء، كما كانت مكاناً حميماً للقاء الأصدقاء، كما لم يكن الأخوان جميل وإدمون بائعي كتب عاديين، بل كانا صديقين دمثين كنت أتداول معهما حول آخر الإصدارات وما هو جدير بالقراءة والاقتناء من الكتب. ونظراً لكثرة ترددي على مكتبة نوبل، نشأت بيني وبين الشقيقين جميل وإدمون صداقة طيبة، فأكرماني بأن خصصا لي صندوق بريد لديهما، وبات شائعاً في الوسط أن من يريد إيصال رسالة أو أمانة لي، ما عليه إلا أن يودعها لدى مكتبة نوبل. والآن وقد تأكد لي أن مكتبة نوبل قد أغلقت أبوابها نهائياً أشعر أن حصتي من دمشق تنكمش مجدداً.أ حسن م يوسف

قبل سنوات صدم الوسط الثقافي عندما أغلقت مكتبة ميسلون العريقة وتم تحويلها إلى مركز لتحويل العملات، وبعدها تم إغلاق مكتبة اليقظة ليتم تحويلها إلى متجر أحذية، وهذا أمر له دلالاته الرمزية، وبعد ذلك انكمشت مكتبة الزهراء العملاقة لتتحول الى دكان قرطاسية صغير. والآن لم تعد هناك مكتبة نوبل أيضاً!

قبل حوالي واحد وعشرين قرناً قال الكاتب والخطيب والفيلسوف الروماني شيشرون: "بيت بلا كتب جسد بلا روح". والحق أن الكتاب بأشكاله المختلفة، لم يعط البيوت نفحة من الروح وحسب، بل هو الذي حافظ على روح البشرية، منذ بدء التاريخ وحتى الآن. ومن الانصاف القول: إن الكتاب العربي قد لعب دوراً مفتاحياً في المشهد الثقافي العالمي مرتين، المرة الأولى من خلال "بيت الحكمة" والمرة الثانية من خلال المكتبة المستنصرية في قرطبة.

ينسب كثيرون تأسيس بيت الحكمة لأبي جعفر المنصور الذي كان مهتماً بشتى العلوم والمعارف، فترجمت لصالحه كتب كثيرة في مجال الطب والفلك والهندسة والآداب، حتى ضاقت خزائن قصره من كثرتها. وعندما تولى هارون الرشيد الحكم، أمر بإخراج تلك الكتب والمخطوطات من قصر الخلافة، وأودعها في بناء مستقل سماه بيت الحكمة، وجعله مركزاً للبحث العلمي والترجمة والتأليف والنسخ والتجليد، وفتحه للدارسين والعلماء وطلاب العلم. وقد عاش بيت الحكمة أزهى عصوره في عهد المأمون. وقبل أن تسقط بغداد بيد هولاكو عام 1258م، تمكن نصير الدين الطوسي من إنقاذ حوالي 400,000 مخطوطة من بيت الحكمة. ويقال إن تلك المخطوطات، بالإضافة لكتب ومخطوطات مكتبة دار العلم التي أسسها الحاكم بأمر الله في القاهرة عام 1005م، هي التي شكلت نواة المكتبة المستنصرية في قرطبة، التي يصفها المؤرخون بأنها كانت "زورق إنقاذ لتراث الحضارة العالمية برمتها"، لما كان لها من دور بارز في إخراج أوروبا من العصور الوسطى وصولاً لعصر النهضة.

لمناسبة إغلاق مكتبة نوبل اسمحوا لي أن أرثي الكتاب الورقي الذي حاصره الغلاء والتضخم حتى لم يعد ثمنه يتوفر إلا لدى من لا يقرؤون!

والحق أن المغفور له الكتاب كان من أفضل رفاق البشر عبر تاريخهم الطويل، فالكتاب يعلم الإنسان مجاناً، دون أن يأكل أو يشرب، وهو لا يوبخ من يخطئ في قراءته، ولا يسخر ممن لا يفهمه، كما لا يحمل عصا، ولا يصيح ولا يغضب. وليس له دوام محدد، فمتى تناوله الإنسان وجده مستيقظاً مستعداً للعطاء.

لقد حظي الكتاب بالكثير من التقريظ، فعباس محمود العقاد قال: "أحب الكتاب، لا لأنني زاهد في الحياة، ولكن لأن حياة واحدة لا تكفيني".

ومي زيادة قالت: "الكتاب هو المكان الوحيد في العالم الذي يمكن أن يلتقي فيه غريبان، بحميمية كاملة."

أما أبو الطيب المتنبي فقد قال: أعز مكان في الدنى سرج سابح / وخير جليس في الأنام كتاب". لكن الحصان السابح الذي كان المتنبي فوق سرجه في طريق عودته إلى الكوفة، لم ينقذه من فاتك بن أبي جهل الأسدي الذي قتله مع ابنه محمد وغلامه مفلح، بسبب القصيدة الشنيعة التي هجا فيها ابن أخت فاتك وأمه!

أما الجاحظ فقد قال: "أوفى صديق إن خلوت كتابي / ألهو به إن خانني أصحابي

لا مفشيا سرا إذا أودعته / وأفوز منه بحكمة صواب" والجميع يعلمون أن كتب الجاحظ لم تحفظ وده إذ سقطت عليه وقتلته!