813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حلاقة الغابات

حسن م. يوسف - فينكس

طوال العقود التي أمضيتها على جبهة الحروف، لم أسمح لنفسي يوماً أن أُحدِّث الجائع عن ضرورة التمسك بالأخلاق، لعلمي أن الأخلاق تبدو نوعاً من الترف المنفِّر لمن تعضه آفة الجوع.

يقول المثل العربي: "الكلام على المتكئ هيِّن."، ومن يعرفني يعلم أنني لم أسمح لنفسي يوماً باقتراف الكلام الهين.  أ حسن م يوسف

لقد حاولت أقصى جهدي، طوال حياتي، أن أدافع عن الخير العام. صحيح أنني لم أنشر كل ما أردت أن أقوله، لأنني لم أكن يوماً آمر النشر ولا صاحب الجريدة، إلا أنني لم أنشر يوماً أي شيء يناقض قناعاتي.

 عندما لم أكن أستطيع إدانة الآفات الكبيرة بسبب الخوف أو نقص المعلومات والأدلة، كنت أغض النظر عن مفاتيحها وأدواتها الصغيرة، كي لا ينطبق عليَّ قول المثل: من لا يتجرأ على الحمار، يضرب البردعة. لأنني كنت ولا أزال أومن "أن الضرب في الميت حرام."

لقد علمتني التجارب المرة، لا أن أدقق بمعاني كلماتي وحسب، بل أن أتتبع ظلالها وأفكر بتأثيرها في المجتمع قبل نشرها، فالكتابة عن شخص رديء، قد يكون فيها خدمة كبرى لمن هو أردأُ منه بما لا يقاس! والكتابة عن خطأ بشع هنا، قد يبرر جريمة كبرى هناك. لذا تراني، منذ أن بدأت هذه الحرب- الجريمة على وطني، أفقُدُ اندفاعي في الكتابة، فأسير متثاقلاً مثل سيارة، رُفع فراملُ اليد فيها.

كثيرة هي القضايا الساخنة التي تكويني، كما تكوي كل واحد من أخوتي السوريين، لكنني، خوفاً من أن يستعملَني أحدٌ ما كمخلبِ قِط، أبتلع السكينَ وأنزِف ببطء، لأنني لا أريد أن أصبَّ كلماتي في طاحون الفاشيين السفلة الذين هم السببُ الأبعد والأعمق في المحنة القاسية التي يعيشُها أبناءُ بلدي.

خلال مسيرتي المهنية لم تكن خياراتي غالباً بين الحلو والمر، بل بين المر والأمر منه. فالحرب التي شنتها الفاشية العالمية والإقليمية بالتعاون مع الفاشية المحلية، لم تستهدف الدولة السورية ومؤسساتها وحسب، بل استهدفت الوطن السوري بآثاره ومعامله وطبيعته.  فقد مارس أعداء الحضارة والإنسان (التنقيب) عن الذهب والتحف الأثرية بواسطة الديناميت والبلدوزرات، محدثين ضرراً هائلاً بتاريخ هذا البلد وحاضره ومستقبله.  كما قام أفراد العصابات الإرهابية التكفيرية في منطقة البلعاس ومناطق عديدة من سورية بقطع الأشجار المعمرة التي لا تقدر بثمن، والتي تم بيعها كحطب.

تفيد الإحصاءات التي كانت متداولة قبل الحرب أن الغابات الطبيعية تغطي حوالي 240650 هكتار من الأرض السورية، وتنتشر فيها أشجار البلوط والسنديان والبطم واللزاب، ويعيش فيها حوالي مئتين وخمسين نوعاً من الحيوانات والطيور. كما تفيد الإحصاءات أن سورية تمكنت بفضل حملات التشجير منذ عام 1953 وحتى الآن، من تكوين غابات جديدة أصبحت رديفا ومكملا للغابات السورية الطبيعية القديمة، كذلك تم إنشاء عدد من المحميات الطبيعية في مختلف أنحاء البلاد، يصل عددها إلى 30 محمية، أبرزها محمية التليلة بتدمر، ومحمية جبل عبد العزيز بمحافظه الحسكة، ومحمية أبو قبيس، ومحمية النبي متى في طرطوس.

لكن الغابات السورية تعرضت لضربة مزدوجة، فقد قام الإرهابيون المجرمون باستهداف وجه سورية الأخضر من خلال إضرام الحرائق المتعمدة في الغابات، كما حدث خلال صيف العام الماضي. وبسبب الأعمال الإرهابية ونزوح السكان شهدت زراعة النخيل تراجعاً كبيراً في البادية السورية عموماً، وفي واحة تدمر بشكل خاص. أما الرقة فقد اغتال الأمريكان بيوتها بالتدمير المتعمد من الجو، فغطت أنقاضها ما بقي من خضرة وجهها حتى كاد يخنقها التصحر، رغم أنها كانت قديماً جنة وارفة تظلّل الأشجار المسافر منها إلى بغداد، فلا تراه الشمس في رحلته!

للوهلة الأولى خطر لي أن أناشد أخوتي السوريين الذين يقومون حالياً بالتحطيب المكثف استعداداً للشتاء القادم، إلا أن شعوري بعدم الجدوى يمنعني من ذلك. فكرت أن ألتزم الصمت كما أفعل أحياناً، لكن رؤية الغابات التي تبدو للناظر كما لو أنها تعرضت لحلاقة جائرة، يدمي قلبي ويجبرني على الكلام.

لا شك أنه من المنطقي أن يخالَف المواطن الذي يستخدم المنشار الآلي ويعتدي على الغابة بشكل جائر، ويحال للقضاء كي ينال جزاء انتهاكه للقانون، وأنا أطالب بمنع المنشار الآلي ومصادرته حيثما وجد. لكنني أرى أن المسؤول الحقيقي عن قطع أشجار الغابات ليس الموطنين الذين يقطعونها بالدرجة الأولى، بل هي وزارة النفط والثروة المعدنية، التي خصصت لكل عائلة، خلال النصف الأول من الشتاء كمية خمسين ليتراً من المازوت (!). وهذه الكمية لا تكفي لتدفئة غرفة واحدة لمدة أسبوعين في المناطق التي تنخفض فيها درجات الحرارة أحياناً إلى ما تحت الصفر.