من لا يعرف الحياء يقول ما يشاء
*حسن م. يوسف- فينكس
قبل سنوات أعربت عن اعتقادي بشكل حازم جازم، بأنه ليس أمام بلداننا النامية في عصر التحديات المتلاحقة والتطورات المتسارعة، سوى أن تأخذ بنصيحة الشاعر الألماني ماورر الذي يقول في إحدى قصائده: "كي يمتلئ برميلك المثقوب بالماء / القِ به في التيار!"
فقد كنت مقتنعاً أشد الاقتناع، بأن بلداننا النامية إذا لم تلق ببراميلها المثقوبة في تيار الحداثة للاستفادة من التطورات المتسارعة التي تغير وجه العالم، فربما تبقى مجرد براميل مثقوبة، فارغة، ملقاة على شاطئ العصر، يعبث بها الغادي والبادي!
صحيح أن هذا الخيار لا يزال يبدو كما لو أنه الخيار الوحيد المتاح، إلا أنني بدأت مؤخراً أرى أن تفاعلنا مع الحداثة مشوه بشكل خطير، إذ أننا نستورد أحدث ثمار الثورة العلمية التقنية من أسلحة وحواسب وهواتف ذكية، دون العلوم والأفكار التي أنتجت تلك التقنيات. حتى إن بعض مواطنينا يعتقدون أن هذا الوضع طبيعي تماماً لأن الله خلق الأمم الأخرى وسخرها لنا كي تكدح نيابة عنا في مجال العلوم والأفكار كي تخترع لنا كل وسائل الرفاه والراحة!
صحيح أن ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات قد حولت العالم إلى قرية كونية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل هذه هي القرية التي طالما حلم الانسان بالعيش فيها؟ لا شك أن مفهوم القرية يستلزم بالدرجة الأولى قرب المسافات وحميمية العلاقات، وقد تحقق هذا نسبياً، إذ أن وسائل الإعلام لم تعد تغطي الأحداث وحسب، بل باتت تصنعها. لكنها بدلاً من أن تقوم بتقريب الشعوب من بعضها، كي تتواصل وتتفاهم، باتت تكرس العداوات والحزازات الدينية والعرقية، التي كانت ولا تزال من العوامل الأساسية في كثير من مآسي البشرية.
خلال الأسبوع الماضي سألني أحد الأصدقاء عن سبب تقلص مشاركاتي على الفيس بوك كماً ونوعاً، والحق أن ملاحظة هذا الصديق في محلها، ففي بعض الأحيان أستعيد حماسي فأنشر العديد من ألسنة الحال في يوم واحد وأحياناً أكتفي بكتابة لسان حال واحد أو مشاركة لسان حال لهذا الصديق أو ذاك، غير أني في أحيان أخرى أكتفي بنشر مقالاتي وألتزم الصمت التام.
أصارحكم أنه لا يمر يوم لا أفكر فيه مرة أو أكثر بإنهاء حضوري لا على الفيس بوك وحسب، بل على كل ما يمت لمواقع التواصل اجتماعي بصلة، لأن هذه المواقع والصفحات والمجموعات باتت مصدراً للتشويش والدسائس المزعجة أكثر من كونها مصدراً للمعرفة والمعلومات المفيدة.
يعلم قارئي المتابع أنني لا أخوض في السياسة إلا مرغماً. والحق أن هوجة (المحللين السياسيين) الذين اعتبروا انسحاب أمريكا من أفغانستان "هزيمة مذلة" قد استفزتني، فكتبت على صفحتي في الثالث عشر من آب الماضي: "أعلنت حركة طالبان قبل قليل سيطرتها على مدينة قندهار التي أسست فيها برعاية أمريكية عام ١٩٩٤ بعد أن لعبت دوراً جوهرياً في طرد السوفييت من البلاد. و ها هي أمريكا تحيط الحركة المتشددة برعايتها مجدداً كي تحبط مشروع الحزام والطريق الصيني. فهل يعيد التاريخ نفسه؟ أم أن التنين الصيني سيستفيد من أخطاء الدب الروسي؟"
تعلمون أن الإعلاميين والمتعالمين والمحللين والمنحلين لم يتركوا شيئاً لم يقولوه عن غزو أمريكا لأفغانستان، لكن أعجب وأغرب ما قيل هو "تغريدة" جورج صبرا على تويتر بتاريخ السادس عشر من الشهر الماضي، يقول صبرا:
"الدرس الأفغاني الجديد شديد البلاغة للذين بنوا وجودهم واستراتيجية عملهم على قوة الأجنبي على أرضهم وفي بلدهم، والعمل بظل إرادته. الدرس ليس جديداً بالطبع، فهو من الحقائق الوجودية للبشر والعلاقات. ومن يتلحف بعباءة الآخرين بردان مهما استطالت المدة، وراودته أوهام الدفء".
صح النوم!
للقارئ كل الحق أن يظن أن صاحب هذا الكلام ليس جورج صبرا المنشق الرئيس السابق لما يدعى بـ (الائتلاف الوطني السوري) الذي كاد ينفلق وهو يطالب الأمريكان والأتراك والعربان بالتدخل لصالح المتمردين والجماعات الإرهابية ضد الدولة السورية!
نعم، من لا يعرف الحياء، يستطيع أن يقول ما يشاء!
