الصِّفْر كعلامة ماصَّة
حسن م. يوسف- فينكس
تتفق كتب التاريخ على أن فريقاً من العلماء العرب الذين اجتذبهم الخليفة المأمون إلى بلاطه قد عكفوا على ترجمة وشرح كتاب (السندهند) إلى اللغة العربية وكان من بين أعضاء هذا الفريق العالم محمد بن موسى المعروف بـ (الخوارزمي) وقد قام الخوارزمي تالياً، بتأليف كتاب مستقل حول نظام الحساب الهندي وضع فيه طريقة جديدة تعتمد على إنشاء خانات الآحاد والعشرات والمئات.
قبل ذلك، كان الهنود يستخدمون الأرقام التسعة ويضعون نقطة أو ثقباً ليحل محل العاشر كفاصل بين الأرقام, خاصة في الأعداد ذات الأرقام المتعددة. وقد عمد الخوارزمي في نظام الخانات الذي اخترعه، إلى الإستعانة بـ (النقطة) الهندية في العمليات الحسابية، فاخترع بذلك المفهوم الجديد للصفر كما نتداوله الآن. وقد وصف الخوارزمي هذا الاكتشاف في كتابه بقوله: "في عمليات الجمع والطرح إذا لم يكن هناك باقٍ، تَضَعْ صفراً ولا تترك المكان خالياً حتى لا يحدث لَبْس بين خانة الآحاد وخانة العشرات" , كما أوضح الخوارزميُّ قيمة الصفر وأهميته في تغيير الرقم بقوله: "يجب أن يكون الصفر عن يمين الرقم لا عن يساره, لأنه في حالة وجوده إلى اليسار لا يغير من قيمته". ومايزال الصفر يعتمد إلى يمين الرقم كما اقترحه الخوارزمي في كل لغات العالم، حتى في اللغات التي تكتب من اليسار إلى اليمين.
فهل تحولت النقطة الهندية إلى الصفر العربي؟
أنا شخصياً أعتقد أن الأفكار تتزاوج لإنجاب أجيال جديدة منها كما يتزاوج البشر لإنجاب أجيال جديدة منهم. صحيح أن الابن يبدو كياناً منفصلاً ومختلفاً عن أبيه وأمه، لكنه في الحقيقة يجسد استمرارية عناصر وسمات منهما قد تبقى حية من خلاله حتى بعد موتهما. كذلك الأفكار قد تبدو جديدة ومنفصلة عما سبقها. غير أنني أعتقد أن أنساب الأفكار لا تقل تداخلاً وقوة واستمرارية عن أنساب البشر، ولهذا أحاول ما أمكنني، أن أسند أية فكرة أستخدمها في كتاباتي إلى صاحبها أو أصحابها، عملاً بالحد الأدنى من آداب الكتابة.
غير أن هذا الشيء لا يروق لبعض القراء الأعزاء لدرجة أن واحداً منهم كتب لي رسالة مغفلة الاسم يأخذ علي فيها إشاراتي لأسماء بعض الكتاب والمفكرين، بل ينتقدني بحدة لأن أفكار الآخرين قد تكون في بعض الزوايا الصحفية التي أكتبها أكثر من أفكاري. وهذه ملاحظة صحيحة، فأنا أعتقد أن تلاقح الأزهار هو الذي ينتج الثمار، وأي كاتب يزعم أن كل ما يرد في كتاباته هو من إبداعه الشخصي ولا علاقة له بإبداع من سبقوه أو عاصروه هو كاتب كذاب مهما كان عظيم الموهبة شديد الذكاء. فالكتابة التي لا تتواصل مع ما قبلها وما معها، هي كتابة ميتة أكثر من كل موتى العالم!
معظم الناس يعتقدون أن الثورة الرقمية التي يعيشها العالم الآن، هي ثمرة نمت على شجرة الذكاء الغربي. أما أنا فأعتقد أن الثورة الرقمية تمثل عصارة الحضارة البشرية برمتها، فالحاسب يتكلم لغة من رقمين هما الصفر والواحد، وكلاهما شرقيُّ المولد. كما أنه يقوم
على مفهوم التضاد أو التقابل، كما بين الليل والنهار، السواد والبياض، المؤنث والمذكر، الوجود والعدم ...الخ وهذا المفهوم المَثْنَوِي وضعه الصينيون في كتاب (التغيرات) قبل حوالي ستة آلاف من الأعوام، إذ أشاروا لمظهرين أساسيين في الكون هما "اليانغ" الذي يعني فَعَّالْ و"اليين" الذي يعني سلبي. وهذا المبدأ المثنوي هو جوهر الكمبيوتر الحديث.
من المعروف أن أرقامنا العربية قد انتقلت إلى العالم الغربي في القرن العاشر الميلادي على يد البابا (سلفستير الثاني) الذي درس في جامعة القرووين وقام بنشر الارقام العربية في أوروبا حتى أنه سُمّي (بابا الأرقام). لكن الأمر الذي لا زال يحيرني هو كيف تخلينا نحن العرب عن أرقامنا العربية 1234567890 واستبدلناها بالأرقام الهندية!
بعض الناس ينظرون إلى الصفر على إنه مجرد نفي أو عدم وهذا خطأ شائع. أما أنا فأحسب أن الصفر يملك خواص سحرية فريدة كونه وحده يستطيع أن يشحن بقية الأرقام بطاقات لا حدود لها . يعتبر الصفر من الأعداد الزوجية، وهو يلعب دوراً أساسياً في الرياضيات باعتباره حيادي الجمع بالنسبة إلى الأعداد الصحيحة والأعداد الحقيقية، كما أنه يدعى (العلامة الماصة) لأن حاصل ضرب أي عدد بالصفر تكون نتيجته صفرا وكأن الصفر امتص ذلك الرقم.
