من المسدس إلى الفيس بوك
حسن م يوسف- فينكس:
عندما اخترع الأمريكي صمويل كولت المسدس عام 1839، حصَد ثروة هائلة تُقدّر بـِ 14.5 مليون دولار أمريكي خلال عقدين من الزمن. يروى عن كولت أنه قال عقب انتشار اختراع المسدس: "بدءاً من اليوم يتساوى الشجاع والجبان" لاعتقاده أن المسدس يمكّن الجبان من النيل من عدوه الشجاع دون أن يخاطر بالاقتراب منه.
لست أدري أيهما أكثر خطورة، اختراع المسدس أم اختراع الفيسبوك، إلا أنّ لكل منهما خطورته.
أطلق مارك زوكربيرغ الفيسبوك عبر موقع "فيس ماتش" التابع لجامعة هارفارد، في 28 أكتوبر عام 2003، عندما كان يرتاد الجامعة كطالب في السنة الثانية. وقد تبين أنه "استخدم صورًا مجمعة من دليل الصور المتاح على الإنترنت والخاص بتسعة من طلبة المدينة الجامعية مع وضع صورتين بجانب بعضهما، ودعوة المستخدمين إلى اختيار الشخص "الأكثر جاذبية". وكي يتمكن زوكربيرغ من تأسيس الموقع، لجأ إلى اختراق مناطق محمية في شبكة الحاسوب الخاصة بجامعة هارفارد، وقام بنسخ صور خاصة بالطلبة في السكن الجامعي، فاتهمته إدارة هارفارد بخرق قانون الحماية وانتهاك حقوق التأليف والنشر وكذلك انتهاك خصوصية الأفراد، مما يعرضه للطرد من الجامعة. يقول زوكربيرغ: "... هناك أمر واحد مؤكد، وهو أنني ارتكبت حماقةً عندما أقدمت على إنشاء ذلك الموقع. على كل حال إن أي شخص آخر كان سيقوم بذلك في نهاية الأمر..."
أخيراً قامت الجامعة بإسقاط جميع التهم الموجهة إلى زوكربيرغ. وفي النصف الثاني من العام الدراسي نفسه، قام زوكربيرغ بتأسيس موقع "الفيسبوك" في 4 كانون الثاني 2004.
كانت عضوية الموقع في بداية الأمر تقتصر على طلبة هارفارد، وشيئًا فشيئًا أصبح متاحًا للعديد من الجامعات في كندا والولايات المتحدة الأمريكية. وفي 26 سبتمبر من عام 2006، فتح الموقع أبوابه أمام جميع الأفراد البالغين من العمر ثلاثة عشر عامًا فأكثر والذين لديهم عنوان بريد إليكتروني صحيح. وقد بلغ عدد المشتركين فيه اليوم مليارين وسبعمئة مليون مشترك، أي أكثر من ثلث البشرية.
يقول مارك زوكربيرغ: "بدأت الموقع عندما كان عمري تسعة عشر عاماً، لم أكن أعرف الكثير عن الأعمال التجارية في ذلك الوقت."
كما يعترف أن "الفيسبوك لم ينشأ في الأصل ليكون شركة. لقد أوجد لإنجاز مهمة اجتماعية – هي جعل العالم أكثر انفتاحا واتصالاً، من خلال إعطاء الناس القدرة على المشاركة. نحن نجعل العالم أكثر شفافية".
وإذا كان المسدس قد ألغى المسافة بين الشجاع والجبان وجعلهما متساويين، فإن الفيس بوك قد ساوى بين الكاتب المتمرس الذي أمضى عمره على جبهة الحروف وبين الإنسان العادي الذي يمارس القص واللصق. و الأكثر حذلقة وظرافة من هؤلاء هو من ينسخ مقالاً بكامله باستثناء اسم صاحبه، مكتفياً بوضع كلمة (منقول) في آخر المقال، معتبراً أنه بذلك قد برأ نفسه من تهمة السرقة وأدى ما عليه وحبة مسك. إلا أن كلمة منقول تؤكد عملية السرقة ولا تبررها. فاللص يقوم بنقل أموال الناس من جيوبهم إلى جيبه، وعملية النقل لا تبرر السرقة بل تؤكدها كجريمة ضد القانون والمجتمع.
بعض الناس يقومون بنشر الأقوال المشهورة للمفكرين والأدباء والفلاسفة لكنهم يعبثون بها إذ يضيفون عليها ويشوهونها، وما يفعله هؤلاء أقبح بكثير مما يفعله جماعة "منقول"!
قبل أيام نشر أحد الفسابكة نص أقصر قصة قصيرة كتبها أنطون تشيخوف كما ترجمها عملاق الترجمة من الروسية المرحوم أبو بكر يوسف:
"منذ أربعين سنة، عندما كنت في الخامسة عشرة من عمري، عثرت في الطريق على ورقة مالية فئة العشرة روبلات؛ ومنذ ذلك اليوم، لم أرفع وجهي عن الأرض أبداً، وأستطيع الآن أن أحصي حصيلة حياتي، وأن أسجلها كما يفعل أصحاب الملايين.. فأجدها هكذا:
2917 زرارًا، 244172 دبوساً، 12 سن ريشة، 3 أقلام، 1 منديل - و ظهر منحن و حياة بائسة".
لكن السيد الذي أعاد نشر القصة أراد أن يعلم تشيخوف، أبرز كاتب للقصة القصيرة في العالم، فن السرد! فأضاف إلى قصته ما يلي: "ولا غرابة في ذلك؛ فالاعتماد على الحظ وحده، وانتظار ضربة من ضرباته لا يورث الإنسان إلا هذا الميراث العادل، ظهراً منحنياً، وحياة بائسة!"
والحق أن الكلمات المضافة جاء كثؤلول قبيح على خد صبية بالغة الجمال.
